[ من لسان الدين إلى السلطان أبي سالم ]
وكان تقدّم من لسان الدين كتاب للسلطان المذكور ، وكان ما سبق من كتاب السلطان جوابا له ، وذلك بعد رجوع لسان الدين من مراكش واستقراره في مدينة سلا برباط شالة مدفن السلاطين من بني مرين ، ومنهم السلطان أبو الحسن والد السلطان أبي سالم المذكور ، ونصّ الكتاب :
« مولاي المرجوّ لإتمام الصنيعة « 1 » وصلة النعمة وإحراز الفخر ، أبقاكم اللّه تعالى تضرب بكم الأمثال في البرّ والرضا وعلوّ الهمّة ورعي الوسيلة ، مقبّل موطئ قدمكم المنقطع إلى تربة المولى والدكم ابن الخطيب من الضريح المقدّس بشالة ، وقد حطّ رحل الرجاء في القبة المقدّسة ، وتيمّم « 2 » بالتربة الزكية ، وقعد بإزاء « 3 » لحد المولى أبيكم ساعة إيابه من الوجهة المباركة وزيارة الرّبط المقصودة والترب المعظمة ، وقد عزم أن لا يبرح طوعا من هذا الجوار الكريم والدخيل المرعيّ حتى يصله من مقامكم ما يناسب هذا التطارح على قبر هذا المولى العزيز على أهل الأرض ثم عليكم ، والتماس شفاعته من أمر سهل عليكم لا يجر إنفاد مال ولا اقتحام خطر ، إنما هو إعمال لسان ، وخطّ بنان ، وصرف عزم ، وإحراز فخر وأجر ، وإطابة ذكر ، وذلك أنّ العبد عرّفكم يوم وداعكم أنه ينقل عنكم إلى المولى المقدّس بلسان المقال ما يحضر ممّ يفتح اللّه تعالى فيه ، ثم ينقل عنه لكم بلسان الحال ما يتلقّى عنه من الجواب ، وقال لي صدر دولتكم وخالصتكم وخالصة المولى والدكم سيدي الخطيب - يعني ابن مرزوق - سنّى اللّه تعالى أمله من سعادة مقامكم وطول عمركم : أنت يا فلان والحمد للّه ممّن لا ينكر عليه الوفاء بهذين الفرضين ، وصدر عنكم من البشر والقبول والإنعام ما صدر ، جزاكم اللّه تعالى جزاء المحسنين ! وقد تقدّم تعريف مولاي بما كان من قيام العبد بما نقله إلى التربة الزكية عنكم حسبما أدّاه من حضر ذلك المشهد من خدامكم ، والعبد الآن يعرض عليكم الجواب ، وهو أني لمّا فرغت من مخاطبته بمرأى من الملإ الكبير ، والجمّ الغفير ، أكببت « 4 » على اللّحد الكريم داعيا ومخاطبا ، وأصغيت بأذني نحو قبره ، وجعل فؤادي يتلقّى ما يوحيه إليه لسان حاله ، فكأني به يقول لي : قل لمولاك : يا ولدي وقرة عيني ، المخصوص برضاي وبرّي وستر حريمي ورد ملكي الذي صان أهلي « 5 » وأكرم صنائعي ووصل عملي ، أسلّم عليك ، وأسأل اللّه تعالى أن يرضى عنك ويقبل عليك ، الدنيا دار غرور ، والآخرة خير لمن اتقى : [ الطويل ]
هامش
( 1 ) الصنيعة : اليد والنعمة .
( 2 ) تيمّم : قصد .
( 3 ) بإزاء : بمقابل .
( 4 ) أكب عليه : أقبل عليه ولزمه .
( 5 ) في ب « ومن ستر حريمي ورد ملكي وصان أهلي » .