تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
وما الناس إلّا هالك وابن هالك « 1 » « ولا تجد إلّا ما قدمت من عمل يقتضي العفو والمغفرة ، أو ثناء يجلب الدعاء بالرحمة ، ومثلك من ذكر فتذكر ، وعرف فما أنكر ، وهذا ابن الخطيب قد وقف على قبري ، وتهمّم بي « 2 » ، وسبق الناس إلى رثائي ، وأنشدني ومجدني وبكاني ، ودعا لي وهنأني بمصير أميري إليك ، وعفّر وجهه في تربي ، وأملني لما انقطعت مني آمال الناس ، فلو كنت يا ولدي حيّا لما وسعني أن أعمل معه إلّا ما يليق بي ، وأن أستقلّ فيه الكثير ، وأحتقر العظيم ، لكن لما عجزت عن جزائه وكلته إليك ، وأحلته يا حبيب قلبي عليك ، وقد أخبرني أنه سليب المال ، كثير العيال ، ضعيف الجسم ، قد ظهر في عدم نشاطه أثر السن ، وأمل أن ينقطع بجواري ، ويستتر بدخيلي وخدمتي ، ويرد عليه حقّه بخدمتي ، ووجهي ووجوه من ضاجعني من سلفي ، ويعبد اللّه تعالى تحت حرمتك وحرمتي ، وقد كنت تشوّفت إلى استخدامه في الحياة حسبما يعلمه حبيبنا الخالص المحبة ، وخطيبنا العظيم المزية القديم القربة ، أبو عبد اللّه بن مرزوق ، فاسأله يذكرك ، واستخبره يخبرك ، فأنا اليوم أريد أن يكون هذا الرجل خديمي بعد الممات ، إلى أن نلحق جميعا برضوان اللّه تعالى ورحمته التي وسعت كل شيء ، وله يا ولدي ولد نجيب يخدم ببابك ، وينوب عنه في ملازمة بيت كتابك ، وقد استقرّ ببابك قراره ، وتعيّن بأمرك مرتبه ودثاره « 3 » ، فيكون الشيخ خديم الشيخ والشاب خديم الشاب ، هذه رغبتي منك ، وحاجتي إليك ، واعلم أنّ هذا الحديث لا بدّ له أن يذكر ويتحدّث به في الدنيا وبين أيدي الملوك والكبار ، فاعمل ما يبقى لك فخره ، ويتخلّد ذكره ، وقد أقام مجاورا ضريحي ، تاليا كتاب اللّه تعالى عليّ ، منتظرا ما يصله منك ويقرؤه عليّ ، من السعي في خلاص ماله ، والاحتجاج بهذه الوسيلة في جبره ، وإجراء ما يليق بك من الحرمة والكرامة والنعمة ، فاللّه اللّه يا إبراهيم ، اعمل ما يسمع عني وعنك فيه ، ولسان الحال أبلغ من لسان المقال ، انتهى . والعبد يا مولاي مقيم تحت حرمته وحرمة سلفه ، منتظر منكم قضاء حاجته ، ولتعلموا وتتحقّقوا أني لو ارتكبت الجرائم ، ورزأت الأموال ، وسفكت الدماء ، وأخذت حسائن الملوك « 4 » الأعزة ممّن وراء النهر من الططر وخلف البحر من الروم ووراء الصحراء من الحبشة وأمكنهم اللّه تعالى مني من غير عهد بعد أن بلغهم تذمّمي بهذا الدخيل ، ومقامي بين هذه القبور الكريمة ، ما وسع أحدا منهم
هامش
( 1 ) صدر بيت لأبي نواس وعجزه « وذو نسب في الهالكين عريق » . ( 2 ) تهمم بي : لجأ إليّ واستغاث بي . ( 3 ) في ب « مرتبة ودشارة » والدشار : المزرعة . ( 4 ) في ب « حسائف الملوك » .