وكان قد صحب المهدي محمد بن تومرت بالمشرق ، فأوصى عليه عبد المؤمن وكان مكرما عنده ، وحكي أنه كتب كتابا فأشار عليه بعض من حضر أن يذرّ عليه نشارة ، فقال : قف ، ثم فكر ساعة ، وقال : اكتب : [ الخفيف ]
لا تشنه بما تذرّ عليه * فكفاه هبوب هذا الهواء
فكأنّ الّذي تذرّ عليه * جدريّ بوجنة حسناء
ولقي أبا بكر الطّرطوشي ، وما برح معظما إلى أن تولى خطة القضاء ، ووافق ذلك أن احتاج سور إشبيلية إلى بنيان جهة منه ، ولم يكن بها « 1 » مال متوفر ، ففرض على الناس جلود ضحاياهم ، وكان ذلك في عيد أضحى ، فأحضروها كارهين ، ثم اجتمعت العامة العمياء ، وثارت عليه ، ونهبوا داره ، وخرج إلى قرطبة .
وكان في أحد أيام الجمع قاعدا ينتظر الصلاة ، فإذا بغلام رومي وضيء قد جاء يخترق الصفوف بشمعة في يده وكتاب معتّق ، فقال : [ السريع ]
وشمعة تحملها شمعة * يكاد يخفي نورها نارها
لولا نهى نفس نهت غيّها * لقبّلته وأتت عارها
« 2 » ولما سمعهما أبو عمران الزاهد قال : إنه لم يكن يفعل ، ولكنه هزته أريحية الأدب ولو كنت أنا لقلت : [ البسيط ]
لولا الحياء وخوف اللّه يمنعني * وأن يقال صبا موسى على كبره
« 3 »
إذا لمتّعت لحظي في نواظره * حتى أوفّي جفوني الحقّ من نظره
رجع إلى أخبار ابن العربي - فنقول : إنه سمع بالأندلس أباه وخاله أبا القاسم الحسن الهوزني وأبا عبد اللّه السّرقسطي ، وببجاية أبا عبد اللّه الكلاعي ، وبالمهدية أبا الحسن بن الحداد الخولاني ، وسمع بالإسكندرية من الأنماطي ، وبمصر من أبي الحسن الخلعي وغيره ، وبدمشق غير واحد كأبي الفتح نصر المقدسي ، وبمكة أبا عبد اللّه الحسين الطبري وابن طلحة وابن بندار ، وقرأ الأدب على التبريزي ، وعمل رحمه اللّه تعالى على مدينة إشبيلية سورا بالحجارة والآجر بالنورة من ماله ، وكان - كما في الصلة « 4 » - حريصا على آدابها وسيرها « 5 » ،
هامش
( 1 ) في ب ، ه : فيها .
( 2 ) النهى : العقل .
( 3 ) صبا : مال من اللهو .
( 4 ) في ب : في الصلة - مقدمة في المعارف كلها حريصا على أدائها ونشرها .
( 5 ) في ب : في الصلة - مقدمة في المعارف كلها حريصا على أدائها ونشرها .