وتصدر الشاطبي رحمه اللّه تعالى للإقراء بالمدرسة الفاضلية ، وكان موصوفا بالزهد والعبادة والانقطاع .
وقبره بالقرافة يزار ، وترجى استجابة الدعاء عنده ، وقد زرته مرارا ، ودعوت اللّه بما أرجو قبوله .
وترك أولادا : منهم أبو عبد اللّه محمد ، عاش نحو ثمانين سنة .
وقال السبكي في حق الإمام الشاطبي : إنه كان قوي الحافظة ، واسع المحفوظ ، كثير الفنون ، فقيها ، مقرئا ، محدثا ، نحويا ، زاهدا ، عابدا ، ناسكا ، يتوقد ذكاء ، قال السخاوي « 1 » :
أقطع أنه كان مكاشفا ، وأنه سأل اللّه كتمان حاله ، ما كان أحد يعلم أي شيء هو ، انتهى .
وترجمته واسعة ، رحمه اللّه تعالى ونفعنا به آمين ! .
وقال ابن خلّكان : إنه أبدع « 2 » في « حرز الأماني » وهي عمدة قرّاء هذا الزمان في تعلمهم « 3 » ، فقلّ من يشتغل بالقراءات إلا ويقدّم حفظها ومعرفتها ، وهي مشتملة على رموز عجيبة وإشارات لطيفة ، وما أظنه سبق إلى أسلوبها ، وقد روي عنه أنه كان يقول : لا يقرأ أحد قصيدتي هذه إلا وينفعه اللّه عز وجل ، لأني نظمتها للّه تعالى مخلصا ، وكان عالما بكتاب اللّه تعالى قراءة وتفسيرا ، وبحديث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، مبرزا فيه ، وكان إذا قرىء عليه صحيحا البخاري ومسلم والموطأ يصحح النسخ من حفظه ، ويملي النكت على المواضع المحتاج إليها ، وكان أوحد في علم النحو واللغة ، عارفا بتعبير الرؤيا « 4 » ، حسن المقاصد ، مخلصا فيما يقول ويفعل ، وكان يجتنب فضول الكلام ، ولا ينطق في سائر أوقاته إلا بما تدعو إليه الحاجة « 5 » ، ولا يجلس للقراءة إلا على طهارة في هيئة حسنة وتخشع واستكانة ، وكان يعتلّ العلة الشديدة فلا يشتكي ولا يتأوّه ، وإذا سئل عن حاله قال : العافية ، لا يزيد على ذلك ، وكان كثيرا ما ينشد هذا اللغز في النعش ، وهو لأبي زكريا يحيى بن سلامة الخطيب : [ الطويل ]
أتعرف شيئا في السّماء نظيره * إذا سار صاح النّاس حيث يسير
فتلقاه مركوبا وتلقاه راكبا * وكلّ أمير يعتليه أسير
يحضّ على التّقوى ويكره قربه * وتنفر منه النّفس وهو نذير
هامش
( 1 ) السخاوي : هو علي بن محمد بن عبد الأحد بن عبد الغالب الهمداني السخاوي .
( 2 ) في ب ، ه : ولقد أبدع كل الإبداع . وهذا نص ابن خلكان .
( 3 ) في ب ، ه ، ووفيات الأعيان : في نقلهم .
( 4 ) في ه : بتفسير الرؤيا .
( 5 ) في ب ، ه : ضرورة .