تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢
وذكره ابن الزبير في صلته ، وقال : إنه رحل مع أبيه أبي محمد عند انقراض الدولة العبّادية « 1 » ، وسنه نحو سبعة عشر عاما ، إلى أن قال : وقيد الحديث ، وضبط ما روي ، واتسع في الرواية ، وأتقن مسائل الخلاف والأصول والكلام على أئمة هذا الشأن ، ومات أبوه - رحمه اللّه تعالى ! - بالإسكندرية أول سنة ثلاث وتسعين فانصرف حينئذ إلى إشبيلية ، فسكنها ، وشوور فيها ، وسمع ودرس الفقه والأصول ، وجلس للوعظ والتفسير ، وصنف في غير فن تصانيف مليحة حسنة مفيدة ، وولي القضاء مدّة أوّلها في رجب من سنة ثمان وعشرين ، فنفع اللّه تعالى به لصرامته ونفوذ أحكامه ، والتزم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، حتى أوذي في ذلك بذهاب كتبه وماله ، فأحسن الصبر على ذلك كله ، ثم صرف عن القضاء ، وأقبل على نشر العلم وبثّه وكان فصيحا ، حافظا ، أديبا ، شاعرا ، كثير الملح ، مليح المجلس . ثم قال : قال القاضي عياض - بعد أن وصفه بما ذكرته - : ولكثرة حديثه وأخباره وغريب حكاياته ورواياته أكثر الناس فيه الكلام ، وطعنوا في حديثه ، وتوفي منصرفه من مراكش من الوجهة التي توجه فيها مع أهل بلده إلى الحضرة بعد دخول الموحّدين مدينة إشبيلية ، فحبسوا بمراكش نحو عام ، ثم سرحوا ، فأدركته منيته ، وروى عنه خلق كثير ، منهم القاضي عياض وأبو جعفر بن الباذش وجماعة ، انتهى ملخصا . ووقع في عبارة ابن الزبير تبعا لجماعة أنه دفن خارج الجيسة بفاس ، والصواب خارج باب المحروق ، كما أشبعت الكلام على ذلك في « أزهار الرياض » وقد زرته مرارا ، وقبره هنالك مقصود للزيارة خارج القصبة ، وقد صرح بذلك بعض المتقدمين الذين حضروا وفاته ، وقال : إنه دفن بتربة القائد مظفر خارج القصبة ، وصلى عليه صاحبه أبو الحكم بن حجاج ، رحمه اللّه تعالى ! . ومن بديع نظمه « 2 » : [ المتقارب ]
أتتني تؤنّبني بالبكاء * فأهلا بها وبتأنيبها
تقول وفي نفسها حسرة : * أتبكي بعين تراني بها ؟
فقلت : إذا استحسنت غيركم * أمرت جفوني بتعذيبها !
وقال رحمه اللّه تعالى : دخل علي الأديب ابن صارة وبين يدي نار علاها رماد ، فقلت له : قل في هذه ، فقال : [ الكامل ]
هامش
( 1 ) الدولة العبادية : نسبة إلى عباد ، ومن رجالاتها المعتضد بن عباد والمعتمد بن عباد . ( 2 ) انظر أزهار الرياض ج 3 ص 88 .
نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 202 | أحمد بن محمد المقري التلمساني / يوسف الشيخ محمد البقاعي