تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب — صفحة 203

مساهمون:

ص٢٠٣
شابت نواصي النّار بعد سوادها * وتستّرت عنّا بثوب رماد
ثم قال لي أجز ، فقلت : [ الكامل ]
شابت كما شبنا وزال شبابنا * فكأنّما كنّا على ميعاد
وقد اختلف حذاق الأدباء في قوله : « ولكنه رمح وثان وثالث » « 1 » ما هو الثاني والثالث ؟ فقيل : القدّ واللحظ ، وقيل غير ذلك . ولما ذكر رحمه اللّه تعالى في كتابه « قانون التأويل » ركوبه البحر في رحلته من إفريقية قال : وقد سبق في علم اللّه تعالى أن يعظم علينا البحر بزوله « 2 » ، ويغرقنا في هوله « 3 » ، فخرجنا من البحر خروج الميت من القبر ، وانتهينا بعد خطب طويل إلى بيوت بني كعب بن سليم ، ونحن من السّغب « 4 » ، على عطب ، ومن العري ، في أقبح زي ، قد قذف البحر زقاق زيت مزقت الحجارة منيئتها « 5 » ، ودسّمت الأدهان وبرها وجلدتها ، فاحترمناها أزرا ، واشتملناها لفافا ، تمجّنا الأبصار « 6 » ، وتخذلنا الأنصار ، فعطف أميرهم علينا ، فأوينا إليه فآوانا ، وأطعمنا اللّه تعالى على يديه وسقانا ، وأكرم مثوانا ، وكسانا بأمر حقير ضعيف ، وفنّ من العلم طريف ، وشرحه أنا لما وقفنا على بابه ألفيناه يدبّر أعواد الشاه « 7 » ، فعل السامد اللاه ، فدنوت منه في تلك الأطمار ، وسمح لي بياذقته إذ كنت من الصغر في حدّ يسمح فيه للأغمار ، ووقفت بإزائهم ، أنظر إلى تصرفهم من ورائهم ، إذ كان علق بنفسي بعض ذلك من بعض القرابة في خلس البطالة ، مع غلبة الصّبوة والجهالة ، فقلت للبياذقة : الأمير أعلم من صاحبه ، فلمحوني شزرا ، وعظمت في أعينهم بعد أن كنت نزرا ، وتقدّم إلى الأمير من نقل إليه الكلام ، فاستدناني ، فدنوت منه ، وسألني : هل لي بما هم فيه بصر ؟ فقلت : لي فيه بعض نظر ، سيبدو لك ويظهر ، حرّك تلك القطعة ، ففعل كما أشرت « 8 » وعارضه صاحبه ، فأمرته أن يحرّك أخرى ،
هامش
( 1 ) يريد بذلك البيت الذي قاله في أحد أمراء الملثمين : انظر ص 235 من هذا الجزء . ( 2 ) الزول : العجب ، البلاء . ( 3 ) الهول : الأمر الشديد المخيف . ( 4 ) السّغب ، بفتح السين والغين : الجوع . ( 5 ) المنيئة : الجلد أول عهده بالدباع ، وفي ه : هيئتها . ( 6 ) اتمجنا الأبصار : تعافنا . ( 7 ) يدبر أعواد الشاه : أراد : يلعب الشطرنج . وفي ب : يدير . ( 8 ) كما أشرت : غير موجودة في ب .