متن
الأمر الثالث أنّ المتيقّن السابق إذا كان ممّا يستقلّ به العقل - كحرمة الظلم و قبح التكليف بما لا يطاق و نحوهما من المحسّنات و المقبّحات العقليّة - فلا يجوز استصحابه ؛ لأنّ الاستصحاب إبقاء ما كان ، و الحكم العقلىّ موضوعه معلوم تفصيلا للعقل الحاكم به ، فإن أدرك العقل بقاء الموضوع فى الآن الثانى حكم به حكما قطعيّا كما حكم أولا ، و إن أدرك ارتفاعه قطع بارتفاع ذلك الحكم ، و لو ثبت مثله بدليل لكان حكما جديدا حادثا فى موضوع جديد .
و أمّا الشكّ فى بقاء الموضوع ، فإن كان لاشتباه خارجىّ - كالشكّ فى بقاء الاضرار فى السمّ الذى حكم العقل بقبح شربه - فذلك خارج عمّا نحن فيه ، و سيأتى الكلام فيه .
و إن كان لعدم تعيين الموضوع تفصيلا و احتمال مدخليّة موجود مرتفع أو معدوم حادث فى موضوعيّة الموضوع ، فهذا غير متصوّر فى المستقلّات العقليّة ؛ لأنّ العقل لا يستقلّ بالحكم إلّا بعد إحراز الموضوع و معرفته تفصيلا ؛ لأنّ القضايا العقليّة امّا ضرورية لا يحتاج العقل فى حكمه إلى أزيد من تصوّر الموضوع بجميع ما له دخل فى موضوعيته من قيوده ، و امّا نظريّة تنتهى إلى ضرورية كذلك ، فلا يعقل اجمال الموضوع فى حكم العقل ، مع أنّك ستعرف فى مسألة اشتراط بقاء الموضوع ، أن الشك فى الموضوع - خصوصا لاجل مدخلية شىء - مانع عن إجراء الاستصحاب .
فإن قلت : فكيف يستصحب الحكم الشرعىّ مع أنّه كاشف عن حكم عقلىّ مستقلّ ؟
فإنّه إذا ثبت حكم العقل بردّ الوديعة ، و حكم الشّارع طبقه بوجوب الردّ ، ثمّ عرض ما يوجب الشكّ - مثل الاضطرار و الخوف - فيستصحب الحكم مع أنّه كان تابعا للحكم العقلىّ .
قلت : أمّا الحكم الشرعىّ المستند إلى الحكم العقلىّ ، فحاله حال الحكم العقلىّ فى عدم جريان الاستصحاب ، نعم ، لو ورد فى مورد حكم العقل حكم شرعىّ من غير جهة
رسائل شيخ انصارى ( فارسى ) — صفحة 619
مساهمون: الشيخ الأنصاري
ص٦١٩