بناء سامراء
وبعد ان اختار المعتصم موقع سامراء ، على ما مر ذكره ، عهد تخطيطها وبناءها إلى أشناس ، القائد التركي ، على ما يقول بروكلمان « 1 » . فأنشأ فيها هذا قناتين متفرعتين من دجلة إلى الشرق ، خلعتا على المدينة الجديدة ، بالإضافة إلى النهر نفسه ، منعة الحصن البحري ، وكانت المدينة تنتظم من قبل ثمانية أديرة نصرانية . ولقد شيد قصر الجوسق للمعتصم أولا ، حتى إذا ما جاء بعده خلفاؤه وكانوا سبعة طوال نصف قرن ، حلوا جيد المنطقة بقصور ومساجد جديدة . وعلى الرغم من أنه لم يبق لنا من هذه المنشآت الفخمة التي أقيمت خلال تلك الفترة القصيرة من الازدهار الا خرائب وأطلال فالحق أنها تقدم لنا صورة عن فن العمارة في العصر العباسي هي أنبض بالحياة من تلك التي تقدمها بغداد ، حيث عبثت أيدي الأجيال المتأخرة بما ثبت من آثارها في وجه الأعصار المغولي . والواقع ان المعماريين المسلمين اعتمدوا في الشرق ، كما اعتمدوا في الغرب ، التقاليد القديمة سواء بسواء . فقصر الخليفة المتوكل الموسوم بلگوارا وهو أهم بناء لا تزال أسسه محفوظة لنا في سامراء - انما شيد على طراز قصور المدائن الفهلوية من حيث التصميم العام ، وتخطيط المساحات وشكل الواجهات .
أما مهندسو الجامع الكبير فتأسوا أثرا أعرق وأوفر حظا من جلال القدم .
ذلك أنهم بنوا مئذنة هذا الجامع فوق قاعدة طولها ( 328 ) ياردة على طراز الأبراج البابلية ذات السلالم الخارجية الملوية ، وهي « الزقورة » . والحق ان الموارد العظيمة التي كانت ما تزال في متناول هؤلاء المعماريين ، على الرغم من أن الإمبراطورية كانت في ذلك الوقت قد أخذت في الانحطاط ، لتظهر لنا أوضح ما يكون الظهور من مساحة الجامع الهائلة حقا . فهو بمثابة مستطيل يبلغ ( 260 ) مترا طولا ، و ( 180 ) مترا عرضا تقريبا . ويستغرق
هامش
( 1 ) الص 210 و 211 ، ط 4 ، من الترجمة العربية .