قالت أم الفضل ان المأمون التفت إليها بالإضافة إلى ذلك وأنبها تأنيبا شديدا ، فأخبرها بأنها ذا ما عادت تشكو زوجها اليه مرة أخرى فإنه سوف يرفض مواجهتها طول عمرها « 1 » .
ويقول دونالدسون ان السنوات الثمان التي قضاها الجواد في بغداد كان ينشغل فيها بالوعظ والتدريس . وقد رويت عنه أقوال وأحاديث مأثورة كثيرة خلال هذه المدة ، التي وقع المأمون خلالها تحت تأثير المعتزلة ولا سيما رئيسهم القاضي أحمد بن أبي دؤاد . واضطر بموجب هذا إلى أن يعلن مبدأ « خلق القرآن » على رؤس الأشهاد ، وكان ذلك في سنة 212 ( 827 م ) . ولقد روي في هذا الشأن أن المأمون كان قد اطلع على كتاب أرسل اليه من كابل بعنوان « العقل الخالد » ، وكان مجمل ما فيه منافيا لأصول الدين لأنه ينص على أن العقل هو المصدر الوحيد للأديان .
ومع جميع ما أصاب أهل السنة من محن خلال هذه الفترة التي كان المعتزلة الأحرار فيها أشداء في معاملتهم ، على ما يقول دونالدسون ، فأن العلويين كانوا يعاملون خلالها بمنتهى الاعتبار والتقدير ، ولم يمس الإمام الجواد بشيء من قبيل الأزعاج أو التوقيف في أيام المأمون . وقد يعزى ذلك إلى « التقية » التي كان يلجأ إليها الشيعة في الشدائد .
غير أن المأمون اضطر إلى مغادرة بغداد في سنة 215 ( 835 م ) على رأس حملته الكبرى التي قادها ضد الإمبراطور ثيوفيلس البيزنطي . ويذكر دونالدسون ان السبب المباشر لهذه الحملة يكتنفه الغموض . على أن المعروف في هذا الشأن ان الإمبراطور البيزنطي كان يمد يد المساعدة حينذاك إلى الثائر
هامش
( 1 ) نقل دونالدسون هذا الخبر عن ( خلاصة الأخبار ) ، الفصل 37 ، المعجزة 17 ، وكان على دونالدسون وهو الذي التفت قبل غيره من المستشرقين إلى أن مثل هذه الروايات يجب عزلها عن التاريخ عزلا تاما ، كان عليه ان يعرض عنها ولا يدنو منها بصفتها من فصيلة لا تنسجم مع التاريخ بوجه من الوجوه .