فان الذي يقوم بدور يزيد لابد من أن تكون له أعصاب من حديد لأن الجمهور يصبح مخيفا بتهديداته . ويأخذ بعد هذا بوصف جميع ما يحدث كما هو معروف لدى الجميع في هذه البلاد .
وفي إحدى المناسبات دعا كليدار النجف المستر ( لايل ) ليصطحبه إلى الصحن فيشهد معه دخول موكب السادة وخدام الحضرة اليه ، وكان ذلك في العاشرة والنصف من مساء اليوم التاسع من محرم الحرام . فجلسوا ينتظرون في الساحة الخالية من وجود أي نوع من أنواع الضياء في كل مكان ، عدا النجوم التي كان يبدو بعضها متلألئا في كبد السماء الصافية الخالية من القمر . وبعد الصمت الذي ظل مخيما على الجميع مدة من الزمن دخل الموكب نتخلله أربعة مشاعل ضخمة ، تحيط بكل منها جماعة من السادة المعروفين لديه . وقد كانوا من جميع الطبقات والأعمار على حد قوله ، من الأولاد الصغار إلى الرجال الملتحين والمسنين الذين أحنت ظهورهم السنين . كما كانوا عراة إلى المحزم مع العمائم الخضر التي كانت تجلل رؤوسهم . ثم نهض فجأة صبي لا يتجاوز عمره الثلاث عشرة سنة وارتقى المنبر فأخذ يقرأ قصة الحسين الشهيد بلهجة فصيحة أعجبت المستر ( لايل ) ولذلك نجده يقول إنه كان يعتقد على الدوام ان العربية لغة موسيقية ترتاح لها الآذان ، وان هذا الصبي لا بد من أنه كان قد اختير لجمال صوته وإجادته في القراءة . وكان الرائي يلحظ في النور المختلط بدخان المشاعل مئات الأذرع ترتفع إلى السماء وتهبط أكفها لادمة الصدور العارية بحماسة ظاهرة حزنا على الحسين وتوجعا للامام الشهيد ، بينما ترتفع أسوات النسوة المولولات من فوق الجمع المحتشد . ويبدو ان المستر ( لايل ) قد تحسس بهذا المنظر ، لأنه يعلق عليه بقوله : « ولم يكن هناك أي نوع من الوحشية أو الهمجية ، ولم ينعدم الضبط بين الناس ، فشعرت وما زلت أشعر بأني توصلت في تلك اللحظة إلى جميع ما هو حسن وممتلئ بالحيوية في الاسلام ، وأيقنت بأن الورع الكامن في أولئك
موسوعة العتبات المقدسة — صفحة 299
مساهمون: جعفر الخليلي
ص٢٩٩