تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 344

مساهمون:

ص٣٤٤
فحضر الأفضل في نقل الحلقة من جامع الفيلة إلى المسجد الجيوشي ، وقد أحضرت الصّواري الطّوال العظام والسّرياقات والمنحاتات من الإسكندرية وغيرها ، وجمعت الأسطولية ورجال السّودان وبعض أصحاب الرّكاب والجند حتى أدلّوه ، وحملوه على العجل إلى مسجد الرّصد الجيوشي . وثاني يوم حضروا بأجمعهم حتى رفعوه إلى السّطح ، وكمّلوه ، وأقاموا الحلقة ، وجعلوا تحت أكتافها عمودين من رخام سبكوهما بالرّصاص من أسفلهما وأعلاهما حتى لا يرتخي ثقل النّحاس ، وجعل في الوسط عمود رخام ، وبأعلاه قطب العضادة مسبوك بالنّحاس الكثير لتدور عليه العضادة « 1 » . وعملت من نحاس فما تمارست ولا دارت ، فعملوها من خشب ساج وقطبها وأطرافها من نحاس صفائح ليخفّ الدّوران ، ثم رصدوا بها الشّمس بعد كلفة . وكانت الحلقة ترخي الدّرجة والدّقائق كلّ وقت للثّقل ، فعمل عمود من نحاس فوق عمود الرّخام ليمسك رخوها . وغلبوا بعد ذلك ، فكانت تختلف لشدّة ما كانوا يحرّرونها بالشّواقيل وعضادة الخشب . وتردّد إليها الأفضل مع كبر سنّه وهو يرتعش « 2 » ، والقائد يحمله إلى فوق ، ويقعد زمانا من التّعب لا يتكلّم ويده ترتعش ، فرصدوا قدّامه . وفي خلال ذلك قتل الأفضل ليلة عيد الفطر سنة خمس عشرة وخمس مائة . وقيل للأفضل عن ابن قرقة إنّه أسرف في كبر الحلقة وعظم مقدارها ، فقال له الأفضل : لو اختصرت منها كان أهون ؛ فقال : وحقّ نعمتك ، لو أمكنني أن أعمل حلقة تكون رجلها الواحدة على الأهرام والأخرى على التّنّور فعلت ، فكلّما كبرت الآلة صحّ التّحرير . وأين هذا في العالم العلوي ؟ ثم أكثروا عليه فعمل حلقة دونها في الموضع المهندم بالطّوب الأحمر ، تحت المسجد الجيوشي ، كان قطرها أقلّ من سبعة أذرع ودورها نحو أحد وعشرين ذراعا . فلمّا كملت قتل الأفضل ، ولم ينفق من مال السّلطان في الأجرة والمؤن وما لابد منه سوى نحو مائة وستين دينارا .
هامش
( 1 ) عضادة ج . عضادات . الكتف الرأسية لفتحة الباب أو الشّبّاك ( الحلق ) ( عبد الرحيم غالب : موسوعة العمارة الإسلامية ، بيروت 1988 ، 275 ؛ محمد أمين وليلى إبراهيم : المصطلحات الأثرية في الوثائق المملوكية ، القاهرة 1990 ، 81 ) . ( 2 ) ذكر المقريزي في حوادث سنة 509 ه / 1115 م أن يد الأفضل رعشت في آخر هذه السنة وصعب عليه إمساك القلم والعلامة على الكتب ، فأقرّ أخاه أبا محمد جعفر المظفر في العلامة ، وجعل له خمس مائة دينار في الشهر مضافا إلى رسمه فعلّم عنه ( اتعاظ الحنفا 3 : 54 ) ، كان سن الأفضل في هذه السنة واحدا وخمسين عاما حيث ولد بعكا سنة 458 ه .
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 344 | المقريزي / أيمن فؤاد سيد