ثم إنّهم اختاروا للرّصد مسجد التّنّور فوق المقطّم ، فوجدوه بعيدا عن الحوائج ، فأجمعوا على سطح الجرف بالمسجد المعروف بالفيلة الكبير - وكان قد صرف على المسجد خاصّة ستة آلاف دينار - فحفروا في مسجد الفيلة نقرا في الجبل مكان الصّهريج الآن ، فعمل فيه قالب الحلقة الكبيرة - وقطرها عشرة أذرع ودورها ثلاثون ذراعا - وهندموه وحرّروه أيّاما وعمل حوله عشر هرج ، على كلّ هرجة منفاخان ، وفي كلّ هرجة أحد عشر قنطارا نحاسا وأقلّ وأكثر ، والجميع مائة قنطار وكسر ، قسّموها على الهرج ، وطرح فيها النار من العصر ، ونفخوا إلى الثانية من النّهار .
وحضر الأفضل بكرة ، وجلس على كرسيّ ، فلمّا تهيّأت الهرج ودارت أمر الأفضل بفتحها - وقد وقف على كلّ هرجة رجل ، وأمروا بفتحها في لحظة - ففتحت ، وسال النّحاس كالماء إلى القالب ، وكان قد بقي فيه بعض النّداوة ، فلمّا استقرّ به النّحاس بحرارته ، تقّعقع المكان النّديّ فلم تتم الحلقة . ولمّا بردت وكشف عنها ، إذ هي تامة ما خلا المكان النّديّ . فضجر الأفضل وضاق صدره ، ورمى الصّنّاع بكيس فيه ألف درهم ، وغضب وركب . فلاطفه ابن قرقة وقال :
مثل هذه الآلة العظيمة التي ما سمع قطّ بمثلها ، لو أعيد سبكها عشر مرّات حتى تصحّ ما كان كثيرا ؛ فقال له الأفضل : اهتم في إعادتها .
فسبكت وصحّت ، ولم يحضر الأفضل في المرّة الثانية ففرح بصحّتها ، وعملت ورفعت إلى سطح مسجد الفيلة ، وأحضر لها جميع صنّاع النّحاس ، وعمل لها بركار خشب من السّنديان - وهو بركار عجيب - وبني في وسط الحلقة مسطبة حجارة متقنة لرجل البركار ، وهو قائم مثل عروس الطّاحون ، وفيه / ساعد مثل ناف الطّاحون ، وقد لبّس بالحديد ، والجميع سنديان جيّد ، وطرف السّاعد مهيّأ لعدّة فنون : تارة لتصحيح وجه الحلقة ، وتارة لتعديل الأجناب ، وتارة للخطوط والحزوز .
وأقام في التّصحيح فيها وأخذ زوائدها بالمبارد مدّة طويلة ، وجماعة الصّنّاع والمهندسين وأرباب هذا العلم حاضرون ، واستدعى لهم خيمة عظيمة ضربت على الجميع ، وعقد تحت الحلقة أقباء وثيقة ، وأرادوا قيامها على سطح مسجد الفيلة فلم يتهيّأ لهم ، فإنّهم وجدوا المشرق لأوّل بروز الشّمس مسدودا ، فاتّفقوا على نقلها إلى المسجد الجيوشي مجاور الأنطاكي ، المعروف أيضا بالرّصد ، وكان الأفضل بناه ألطف من جامع الفيلة ولم يكمل ، فلمّا صار برسم الرّصد كمل « 1 » .
هامش
( 1 ) قارن مع ابن ميسر : أخبار مصر 84 - 85 ؛ المقريزي : اتعاظ الحنفا 3 : 72 .