تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 342

مساهمون:

ص٣٤٢
فأحضره للوقت ، فاتّفق له من الحديث الحسن السّهل ، وما سبب عمل الآلات ، ومن ابتدأها من الأول ، وذكر القدماء في ابتداء العالم «
( a
» ، ومن رصد منهم واحدا واحدا إلى آخرهم شرحا مستوفى ، كأنّه يحفظه ظاهرا ، أو يقرأه من كتاب « 1 » . فأعجب الأفضل والحاضرين ، وقال : أيّ شيء تحتاج ؟ فقال : ما أحتاج كبير أمر ، والأمور سهلة ، وكلّ ما أحتاجه في خزائن السّلطان - خلّد اللّه ملكه - النّحاس والرّصاص والآلات ، وكلّ ما أحتاج أستدعيه أوّلا أوّلا ، والنّفقات وأجرة الصّنّاع فيتولّاها غيري . فأعجب به وقال : يطلق له جار لنفسه ؛ فقال : أنا مستخدم في عدّة خدم ، فجواري تكفيني ، فأنا مملوك الدّولة ما أحتاج إلى جار ، وإذا بلغت الغرض وأنهيت الأشغال فهو المقصود . وكان قيل للأفضل : هذا الرّصد يحتاج إلى أموال عظيمة ، فقال : كم تقول يحتاج إليه ؟ فقال : ما ينفق عليه إلّا مثل ما ينفق على مسجد أو مستنظر . فرجع يكرّر عليه القول ، فقال : هاتوا ورقة . فكتب فيها : « المملوك يقبّل الأرض وينهي : دعت الحاجة إلى خروج الأمر العالي إلى دار الوكالة بإطلاق مائتي قنطار من النّحاس الفخر ، وثمانين قنطارا من النّحاس القضيب الأندلسي ، وأربعين قنطارا من النّحاس الأحمر ، ومن الرّصاص ألف قنطار ، ومن الحطب ومن الحديد والفولاذ من الصّناعة ما لعلّه يحتاج إليه ، ومن الأخشاب ومن النّفقة مائة دينار على يد شاهد ينفق عليه ، فإذا فرغت أستدعي غيرها ، وأحتاج موضعا يصلح الرّصد فيه ، ويكون العمل والصّناعة فيه ، ومباشرة السّلطان فيما يتوقّف عليه ، وما يستأمر فيه » . فاستصوب الأفضل جميع ذلك ، وأراد أن يخلع عليه فقال القائد : هذا فيما بعد إذا شوهدت أعماله . فخدم من أوّل الحال إلى آخرها ولم يحصل له الدّرهم الفرد ؛ لأنّه كان يستحيي أن يطلب وهو مستخدم عندهم ، وكانوا بأجمعهم يؤمّلون طول المدّة والبقاء ، فقتل الأفضل ثاني سنة ، وتغيّرت الأحوال .
هامش
( aبولاق : القدماء في العلم . ( 1 ) انظر عن ابن قرقة الطبيب فيما يلي 2 : 63 .