فلمّا تمّت الوزارة للمأمون البطائحي ، أحبّ أن يكملها - ويقال له « الرّصد المأموني المصحّح » ، كما قيل للأوّل « الرّصد المأموني الممتحن » - فأخرج الأمر بنقل الرّصد إلى باب النّصر بالقاهرة ، فنقل على الطّريقة الأولى بالعتّالين والأسطولية وطوائف الرّجال ، وكان يدفع لهم كلّ يوم برسم الغداء جملة دراهم .
فلمّا صار فوق العجل مضوا به على الخندق من وراء الفتح على المشاهد إلى مسجد الذّخيرة من ظاهر القاهرة « 1 » ، وتعبوا في دخوله من باب النّصر تعبا عظيما لخوفهم أن يصدم فيتغيّر ، فنصبوا الصّواري على عقد باب النّصر من داخل الباب ، وتكاثر الرّجال في جذب المياحين من أسفل ومن فوق حتى وصل إلى السّطح الكبير ، ثم نقلوه من السّطح الكبير إلى السّطح الفوقاني ، وأوقفوا له العمد كما تقدّم ذكره ، ورصدوا بالحلقة الكبرى كما رصدوا بها على سطح الجرف ، فصحّ لهم ما أرادوا من حال الشّمس فقط .
ثم اهتمّوا بعمل ذات حلق يكون قطرها خمسة أذرع ، وسبكت في فندق بالعطوفية من القاهرة ، وكان الأمر فيها سهلا عندما لحقهم من العناء العظيم في الحلقة الكبيرة والحلقة الوسطى . وتجرّد المأمون لعملها والحثّ فيها ، وكان ابن قرقة يحضر كلّ يوم دفعتين ، ويحضر أبو جعفر بن حسداي ، وأبو البركات بن أبي اللّيث صاحب الدّيوان وبيده الحلّ والعقد ؛ فقال له المأمون : اطلع إليهم كلّ يوم وأي شيء طلبوه وقّع لهم به من غير مؤامرة « 2 » .
وكان قصده ما أطمعوه فيه من أن يقال « الرّصد المأموني المصحّح » ، فلو أراد اللّه أن يبقى المأمون قليلا كان كمل رصد جميع الكواكب ، لكنّه قبض عليه ليلة السبت ثالث شهر رمضان سنة تسع عشرة وخمس مائة ، وكان من جملة ما عدّد من ذنوبه عمل الرّصد المذكور والاجتهاد فيه ، وقيل : أطمعته نفسه في الخلافة بكونه سمّاه « الرّصد المأموني » ونسبه إلى نفسه ولم ينسبه إلى الخليفة الآمر بأحكام اللّه .
وأمّا العامّة والغوغاء فكانوا يقولون : أرادوا أن يخاطبوا زحل ، وأرادوا أن يعلموا الغيب . وقال آخرون منهم : عمل هذا للسّحر ونحو ذلك كم من الشّناعات .
فلمّا قبض على المأمون بطل ، وأنكر الخليفة على عمله ، فلم يجسر أحد أن يذكره . وأمر فكسر وحمل إلى المناخات ، وهرب المستخدمون ومن كان فيه من الخاصّ .
هامش
( 1 ) عن الفتح والمشاهد ومسجد الذخيرة انظر فيما يلي 1 : 432 ، 2 : 264 ، 411 ، 436 - 442 .
( 2 ) المؤامرة . عمل تجمع فيه الأوامر الخارجة في مدّة أيام الطّمع ، ويوقّع السلطان في آخره بإجازة ذلك ، وقد تعمل المؤامرة في كلّ ديوان تجمع جميع ما يحتاج إليه من استئمار واستدعاء وتوقيع . ( الخوارزمي : مفاتيح العلوم 38 ) .