تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط لندن ) — صفحة 346

مساهمون:

ص٣٤٦
وكان فيه من المهندسين / برسم خدمته وملازمته في كلّ يوم بحيث لا يتأخّر منهم أحد : الشّيخ أبو جعفر بن حسداي ، والقاضي بن أبي العيش ، والخطيب أبو الحسن عليّ بن سليمان بن البوّاب « 1 » ، والشّيخ أبو المنجّا بن سند السّاعاتي الإسكندراني المهندس ، وأبو محمد عبد الكريم الصّقليّ المهندس ، وغيرهم من الحسّاب والمنجّمين كابن الحلبي وابن الهيثمي وأبي نصر تلميذ سهلون ، وابن دياب ، والقلعي ، وجماعة يحضرون كلّ يوم إلى ضحوة النّهار ، فيحضر صاحب الدّيوان ابن أبي اللّيث ، وكان ابن حسداي ربّما تأخّر في بعض الأيّام ، فإنّه كان امرأ عظيما صاحب كبرياء وهيبة . وفي كلّ يوم يبعث المأمون من يتفقّد الجماعة ويطالعه بمن كان «
( a
» منهم ، لأنّه كان كثير التّفقّد للأمور كلّها ، وله غمّازون وأصحاب أخبار لا تنام ، ولا يكاد يفوته شيء من أحوال الخاصّة والعامّة بمصر والقاهرة ومن يتحدّث ، وجعل في كلّ بلد من الأعمال من يأتيه بسائر أخبارها . وأنا أدركت هذا الموضع الذي يعرف اليوم بالرّصد - حيث جامع الفيلة - عامرا ، فيه عدّة مساكن ومساجد ، وبه أناس مقيمون دائما ، وقد خرب ما هناك وصار لا أنيس به . وكان الملك النّاصر محمد بن قلاوون قد أنشأ فيه سواقي لنقل الماء من أماكن قد حفر لها خليج من البحر بجوار رباط الآثار النّبويّة ، فإذا صار الماء في سفح هذا الجرف المسمّى بالرّصد نقل بسواق هناك قد أنشئت ، إلى أن يصير إلى القلعة . فمات ولم يكمل ما أراده من ذلك ، كما ذكر في أخبار قلعة الجبل من هذا الكتاب . وما زال موضع هذا الرّصد متنزّها لأهل مصر ، ويقال إنّ المعزّ لدين اللّه معدا لمّا قدم من بلاد المغرب إلى القاهرة ، لم يعجبه مكانها ، وقال للقائد جوهر : فاتك بناء القاهرة على النّيل ، فهلّا كنت بنيتها على الجرف ، يعني هذا المكان « 2 » . ويقال إنّ اللّحم علّق بالقاهرة فتغيّر بعد يوم وليلة ، وعلّق بقلعة الجبل فتغيّر بعد يومين وليلتين ، وعلّق في موضع الرّصد فلم يتغيّر ثلاثة أيام ولياليها ، لطيب هوائه . وللّه درّ القائل : [ السريع ]
يا ليلة عاش سروري بها * ومات من يحسدنا بالكمد
وبتّ بالمعشوق في المشتهى * وبات من يرقبنا بالرّصد
هامش
( aبولاق : غاب . ( 1 ) ابن عبد الظاهر : الروضة البهية 20 ؛ ابن دقماق : الانتصار 5 : 36 ؛ القلقشندي : صبح 3 : 351 ، 367 ؛ المقريزي : اتعاظ الحنفا 1 : 113 ؛ وفيما يلي 1 : 377 . ( 2 ) إلى هنا ينتهي الجزء الثاني من طبعة فييت. Wiet