الأولى ، مع أنّه لا زالت أمامهم عدّة مقدّمات سيتوجّب عليهم أن يطووها في عالم البرزخ ليبلغوا النتيجة المتوخّاة إن شاء اللّه ، وإلّا فليس أمامهم ثمّة مجال آخر .
وطائفة منهم تعمّقت في جميع العلوم ، إلّا أنّها أهملت القوّة العمليّة ، وأعرضت عن تزكية النفس من الرذائل الخلقيّة .
وبعض آخر عمل بواضحات الأخلاق والسمعيّات ، ولكنّه لم يتفحّص عن المكنونات القلبيّة والأمور الغامضة الخفيّة ، فأضحى أحدهم يتكبّر ويسمّي تكبّره إعزازا للدين ، وصار يرائي ويسمّي عمله إرشادا للجاهلين ، وهكذا ، كلّ هذا تعزيزا لنفسه ، والله تعالى مطّلع على سريرته ، لا سيّما بعضهم : فإنّه يخوض في أموال اليتامى والفقراء والمساكين ، ويصرفها في شهواته وفيمن يختلف إليه من الأنصار والمريدين ، ظنّا منه أنّه يستحقّ بذلك جزيل الأجر والمثوبة بإعانة الفقراء وتخليص الأغنياء عن اشتغال الذّمّة بالحقوق الواجبة ، وترويج العلم بإعانة الطلبة ، والله العالم بالضمائر .
وفرقة أخرى هم الوعّاظ المتكلّمون في شرائف الملكات ، المرغّبون الناس في فضائل الصفات ، المحذّرون من الأمور الذميمة والآفات ، والحال أنّ أحدهم مملوء بذاته من الرذائل ، خال من الفضائل ، يظنّ أنّ محض القول ومعرفة الاصطلاحات وفهم معاني الألفاظ والعبارات يدخله في السالكين إلى اللّه تعالى ، وأنّ الخوض في إصلاح الخلق وهدايتهم إلى الحقّ يجعله مستحقّا لجزاء ربّ
تذكرة المتقين في آداب السلوك وتزكية النفس — صفحة 99
مساهمون: الشيخ محمد البهاري الهمداني
ص٩٩