وفسادهم أكثر وأعظم ، بل هم شرّ الناس وأخزاهم من الخنّاس .
وفرقة أخرى هذّب أحدهم الأخلاق ، وصفّى النفس من لوث الكدورات ، واستخلصها من الشواغل والعلائق الدنيويّة ، وحوّل طمعه من الخلق إلى الحقّ ، ودفعته رحمته وشفقته على العباد إلى هدايتهم وإرشادهم ، إلّا أنّه - بعد ذلك كلّه - وجد الشيطان إليه سبيلا ، فدعاه دعوة خفيّة ، وأخذ ذلك يقوى لديه بالتدريج ، فصار متصنّعا لهم في الألفاظ والعبارات والحركات ، وتلقّاه عوامّ الناس بالقبول ، حتّى خوّلوه أموالهم وأنفسهم ، وصيّروا أنفسهم في جملة خدمه وعبيده ، فغلبته في تلك الحال لذّة الشهوات ، فشرع في التلذّذ بالملاذّ التي كان قد هجرها ، متوهّما أنّه لا سبيل للشيطان إليه بعد الآن . هيهات هيهات ، لو كان سالكا مسلك النجاة لما أمن كيد الشيطان في حال من الحالات ، بل كان مواظبا على التضرّع والابتهال ، ومستعينا في دفعه بالكريم المتعال ، وخائفا على نفسه من سقم عقيدته ومن خطر سوء الخاتمة ، نعوذ بالله منه .
قيل إنّ الشيطان عرض لأحد الكبراء في آخر لحظة من عمره ، فقال : لقد نجوت من كيدي . فأجاب : كلّا لم أنج بعد !
والخلاصة أنّ غرضنا كان بيان حال بعض مدّعي المقالات وبيان أخطائهم .
[ من المغرورين الطائفة القلندريّة ]
ومن المغرورين الطائفة القلندريّة التي تخيّل أفرادها أنّهم هجروا الدنيا وتركوا اللذّات . والحال أنّهم لو أقبل عليهم شيء من الدنيا بغتة لماتوا من الفرح ، فأنّى لهم ترك الدنيا ! !