على أنّ ما يشغل الإنسان عن التفتيش عن عيوب الآخرين : أن ينتبه إلى عيوب نفسه ، وينظر في صعوبة التخلّص منها ، ثمّ ليتأمّل أنّ أخاه مبتلى مثله أيضا ، فما العمل ؟ إذ النفس تقهر الانسان .
واعلم : أنّ المبرّأ من كلّ عيب - لو فرض وجوده - هو جوهر محفوظ مصان في خزائن السلطان لا تناله أيدينا ، وأنّ خير رفيق لنا هو الذي غلبت محاسنه على مساوئه .
وعلى المرء أن ينظر إلى رفيقه أو إلى غير رفيقه ؛ فإن وجد فيه محاسن يفتقر إلى مثلها تعلّمها منه بشوق ، وليس له التفتيش في قبائح الغير وعيوبه كما هو من عادات المنافقين .
وعليه أن يحفظ لسانه وقلبه من سوء الظنّ برفيقه ، فإن لم يجد لفعله محملا على الخير ، فليحمله على السّهو والنّسيان .
ذلك أنّ حمل أفعال الغير على الفساد ، وإفشاء الأسرار ، وفضح العيوب هو الحركة الناشئة من الحقد والحسد الباطنيّين ؛ لامتلاء باطنه منهما ، فإذا اغتنما فرصة رشح الباطل من باطنه إلى ظاهره ، لأنّ كلّ إناء بالذي فيه ينضح .
[ الثاني : أن لا يجادله ، ]
لأنّ المجادلة الكلاميّة تثير نار الفتنة ، وفيها مفاسد تجد تفصيلها في آداب المتعلّمين للشهيد ( رحمة اللّه عليه )
هامش
روي أنّ عيسى المسيح عليه السّلام مرّ مع الحواريّين على مزبلة فيها ميتة متعفّنة ، فتأذّى الحواريّون من الرائحة النتنة وأمسكوا أنوفهم ، فقال عيسى عليه السّلام : انظروا إلى بياض أسنانه ! ( ن )