تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تذكرة المتقين في آداب السلوك وتزكية النفس — صفحة 216

مساهمون:

ص٢١٦
تحصى . الشمس تقترب حتّى تغدو فوق الرؤوس ، وتتّقد الأرض حتى تضحي ككور الحدّاد ، وتغرق الأبدان في العرق ، وتشتعل اللحوم والعظام وتتّقد ، قد أحاطت بهم جهنّم فلا سبيل إلى الفرار ، وندم الظالم ، وبكى العادل ، وتطايرت الكتب عن اليمين وعن الشمال ، والناس في دهشة وذهول وانتظار . الملائكة الغلاظ الشّداد يتردّدون ذهابا وإيابا ، والعقوبة الإلهيّة على العصاة والمردة في تشدّد . من أسماء ذلك اليوم « يوم الحساب » ، ومن أسمائه « يوم التناد » . ينادي المنادي من جانب بالسرور والبشارة « يا أهل الجنة ، اركبوا » ، وينادي من جانب آخر « يا أهل النار ، اخسأوا » . يومئذ يخلع على البعض خلع الكرامة ، ويسحب الآخرون سحبا . طائفة ثمالى بالشراب الطّهور ، وطائفة تتقطّع أكبادهم بالضّريع والزّقّوم . وأنا في حيرة لا أدري عن أيّ شيء منه أتحدّث ، أعن السّخط والغضب فيه ، أم عن المحبّة واللّطف ؟ أهل غضبه التّرابيّون ، وأهل محبّته الأفلاكيّون ، أي الذين بلغوا بأنفسهم إلى الأفلاك النوريّة ، ولم يحفلوا أبدا بهذه الأفلاك ، فأضحت أجسامهم أرواحا ، واستقرّت أرواحهم في عرش الرحمن . جعلت فداء لتلك القلوب التي يسطع فيها نور اللّه جلّ جلاله ، والتي لا حدود لجلالة مرتبتها . أولئكم الذين قطعوا أنفسهم عن هذا العالم ، واتّصلوا بعالم الأنوار ، وتنوّروا بأنوار المعرفة ، وارتدوا خلعة المحبّة . قد رفضوا بزهدهم الدّنيا ، وأثمر لهم توكّلهم التّوحيد . فهم الذين فرّوا من مخلوقات العالم ، وسكنوا في