الوسواس ، وقطّاع الطريق فيه إبليس وجنوده ، وأسلحتهم في الحرب الخدعة والتلبيس . إن سألت عن عمق هذا البحر ، قلت : لا نهاية له ؛ فإن لم تصدّق ، فاسأل الغوّاصين فيه ، يعني أهل الدنيا من الأوّلين والآخرين . انظر تر أنّ الجميع غرقوا فيه ، وأنّ أحدا لم يبلغ قعره .
وإذا أردت مزيدا من الفهم فانظر إلى حال نفسك الفاسدة ، تعرف أنّك لا تكفّ عن طلب الازدياد مهما كانت ثروتك ، وأنّ حرصك وجشعك لا يقفان عند حدّ .
فيا سيّدي : كيف دمّرت هذه الدّنيا ساكنيها فأضحوا بائسين تعساء ، وغدت قلوبهم المخلوقة للمحبّة والمعرفة إسطبلا للخيول والبغال ، وتعفّنت جوارحهم من القاذورات ، ولم تعهد أفئدتهم الخضوع والخشوع لحظة ، ولم تذق ذرّة من حلاوة الطاعة . فلا أثر للتوبة في أعماقهم ، ولا خبر للتفكّر في الله جلّ جلاله في أوهام تفكّراتهم النحسة ، فهم يمزّقون أعراض الناس وأموالهم وعصمتهم ليلا ونهارا بسيوف ألسنتهم وأسنّتها . قلوبهم خالية من الذّكر والتفكّر ، ومليئة بالحيلة والمكر . قد قيّدوا يد العقل وأطلقوا يد الهوى . فكم أصابت أيديهم كبد الدّين بجراح عميقة ! وكم ألحقوا بالشرع الشريف من المحن ! ، لقد خلعوا زيّ المسلمين وارتدوا رداء الغربيّين ، واستبدلوا بأطعمة الإسلام وأشربته سمّ النّصارى والدهريّين وزقّومهم ، وهجروا تكاليف الشّرع وسلكوا عادات الكفر ، وأقاموا في بلادهم سوق الكفر والشرك وعمروها ، وخرّبوا - في المقابل - سوق
تذكرة المتقين في آداب السلوك وتزكية النفس — صفحة 214
مساهمون: الشيخ محمد البهاري الهمداني
ص٢١٤