خاطب ولده العزيز « بنيّ ، إنّ الدّنيا بحر عميق غرق فيها الأكثرون » ؟ « 1 »
وأقول - أنا الحقير - : ( ونحن منهم عن تحقيق ) .
وإذا أردت فهم عمق بحر حكمته ، فتفكّر في حقيقة لفظ « بحر عميق » ، وانظر كم أدرج في هذا الصّندوق الصغير من جواهر الحكمة هديّة للمتفكّرين .
يكفي أن تعلم أنّ في البحر حيتانا وأسماكا ومخلوقات عجيبة كثيرة ، ومهالك غريبة لا تحصى ، وجزائر مهولة تذيب قلب الأسود ، وجبال مرعبة ابتلعت الكثير من الناس وأخفتهم فضاعوا .
وأصل هذا البحر ومنشؤه نابع من ظلمات الجهل ، ومكانه ومستقرّه في أودية أراضي قلوب أصحاب الغفلة . وما أكثر ما أتت أمواج آماله على سفن الأعمار ، وأسلمتها لريح الفناء والدمار . وما أكثر ما خلّفت جبال همومها وغمومها من أشلاء ضحاياها ! وما أكثر من أهلكتهم بسموم أفاعي معاصيها القتّالة ! وكم الذين ابتلعتهم حيتان صفاتها المذمومة ! وكم أطفأت مياه حبّها الأجاج المرّة من عيون وتركتها دون نور ! ومن غرق في هذا البحر ثمّ أخرج رأسه فإنّما يخرجه في ورطة نار الجحيم ، وسيبقى في العذاب الأليم .
أناس هذا البحر نسناس « 2 » وسباحتهم في هذا البحر في ساحة
هامش
( 1 ) - من وصيّة لقمان الحكيم لابنه ، بحار الأنوار 6 / 250 ، ح 87 ، وفيها : « . . . قد غرق فيها عالم كثير » .
( 2 ) - أي قرود في صورة بشر .