أعلمني بعض الخدم بأنّ الحاكم قد لبس ملابسه وأنّه ينتظرني للتصبّح « 1 » معه ، فدخلت عليه في الحال وقدّمت إليه واجب الاحترام ، فتلقّاني بأحب أساليب التلقّي ، وهنأني على رجوعي الميمون ، ورجا منّي أن أزوره غالبا في أيّام مكثي ببومباي ، وإذ كانت داره مكتظة بالضيوف كلّف وكيله أن يستأجر لي مثوى في جواره ثمّ لم نكن أتممنا تصبّحنا حين قيل إنّ المثوى قد أعدّ لي ، وأمر دامت سيادته أيضا خدامه أن يحصلوا لي على جميع ما أحتاج إليه ، وأضاف إلى ذلك أنّه يأمل أن يراني كل يوم أتصبّح عنده وأتغدّى ، ما لم أكن مستجيبا لدعوة من الدعوات ، فما أعظم الفرق بين هذا الاستقبال والّذي وقع لي بالبصرة ؟ ودعاني في ذلك اليوم نفسه لمصاحبته إلى دار صديقي عبد اللطيف خان وهي على مسافة قليلة من المدينة ، وإذ كان مجيئي إلى بومباي ابتغاء أن أراه لم أرفض دعوته ولكني خشيت أن يسوء ذلك الحاكم فأوضحت له حالي ، فقال لي : « اذهب وتمتع بالاجتماع مع أصحابك فإنّ دعتك شؤونك أو مسرتك إلى المدينة فجيء إليها وأحضر مائدتي في كل جيأة » . فشكرت له ذلك شكرا كثيرا وذهبت مع الصديق .
وجزيرة بومباي تقع بين الدرجة 18 والدرجة 19 من خطوط العرض الشمالية وهي مشهورة بعذاوة مناخها ، وعذوبة مائها ، وأشجارها تثمر من الفواكه بما تثمر به سائر بلاد الهند ولا سيّما الأنبج « 2 » اللذيذ ، وجميع الإنكليز يسكنون في قلعتها ، ومنازلهم عالية ذوات أربع طبقات ومبنية بالآجر ، ولها أبواب وشبابيك مزوّقة وسطوح مغطاة بالقرميد على طريقة الأوروبيّين في التغطية ، وليس فيها دار يستطيع الإنسان أن يوازن بينها وبين أحقر دار في « شورينغي » إحدى محلات كلكتا ، وسكانها كلهم بالتقريب إنكليز وفارسيس « 3 » وبرتغاليون وهندوس . والفارسيس من سلالة الكبريّين
هامش
( 1 ) من معانيه أكل طعام الصباح وهو التصبيح . ( المترجم ) .
( 2 ) هي الفاكهة المعروفة عندنا بالعنبة ويؤتى إلى العراق بمخللاتها فقط من الهند ، وتسمّى في مصر « مانكو » وكذلك في لبنان وهو مختصر الاسم الأوروبي مانكرستان ، وقد ذكرها ابن بطوطة في رحلته . ( المترجم ) .
( 3 ) هم مجوس الفرس وقد زحفوا الآن إلى غرب بلاد الهند باعتداده موطنهم الأصلي .
( المترجم ) .