القمر محفوفا بأشعته ، وجلده رقيق كلّ الرقة فإذا ما مسّه الإنسان أقل مسّ ظهرت على يده جمعاء دمامل ، تكون أحيانا خطرة جدا .
وفي أثناء هذه السفرة البحرية كنت أجلس غالبا على قنطرة السفينة ساعات كاملة باللّيل لأشاهد هذه الأعجوبة ، ولما صرنا إلى بحر عمان هبّت علينا ريح معاكسة لوجهتنا ، وإذ كانت غير ماطرة لم تزعجنا إلّا قليلا .
ولقد طفت في أسفاري بحر الهند وبحر الجنوب والمحيط الأطلنطي والبحر الأبيض والبحر الايونيّ وبحر مرمرة والخليج العربي وبحر عمان وقد قاسيت في كل بحر عواصف ، ومع ذلك أراد اللّه تعالى أن لا يصيبني مكروه من الحوادث .
ومررنا في اليوم الخامس من صفر ( سنة 1219 ه ) حيال مسقط ، ولكن مرورنا لم يكن قريبا منها بحيث نرى الأرض ، وفي اليوم السادس دخلنا بحر الهند ، وهذا منتهى إبحاري ، لأنّ خليج البنغالي الّذي سافرت منه هو جزء من هذا المحيط ، ومن هناك رأينا الركن الشرقي لجزيرة العرب المسمّى رأس الخط وهو على مائة وعشرين ميلا من مسقط . وباليوم العاشر من صفر الموافق لليوم الثالث من حزيران « 1 » ( سنة 1804 م ) ألقت سفينتنا مرساتها في بومباي بعد سنة إلّا أربعة أيّام من مغادرتي لندن . ومع صغر السفينة لقينا في السفر كل الرفاهية الممكن تصورها ، وقضيت أوقاتي فيها باستلطاف واستطراف .
أبو طالب في بومباي
وحين ألقت السفينة أنجرها في ميناء بومباي نزلت إلى البرّ فذهبت إلى الحاكم المستر « دنكان » الّذي كان لي الشرف بالتعرف إليه في بنغال خاصة ولم يكن قد استيقظ ولكن خدّامه تلقّوني بأدب كثير وسألوني هل أود أن آخذ شيئا من الهوكاه « 2 » أو بعض المرطبات الأخرى ، وبالساعة الثامنة
هامش
( 1 ) في التوفيقات الإلهامية أنّ أول صفر من سنة 1219 ه يوافق 13 أيار سنة 1804 م ، فالعاشر من صفر يوافق الثالث والعشرين من أيار سنة 1804 م . ( م ) .
( 2 ) تقدّم ذكره هذا الشيء من المشروبات في سياحة أبي طالب بتركية ولم أجد له ذكرا فيما عندي من الكتب . ( المترجم ) .