التوحش ، وأنّ أهلها نصارى ، ولا تريد أن تغير دينها ولا أن تترك سيدها ، ولكن الشهود احتجوا بعجرفة بأنّهم سمعوها تتلو العقيدة الإسلامية ، فدهش القاضي حاق الدّهش وقال للأرمنية : « إنّ شهادة هؤلاء المسلمين تثبت أنّك كنت تدينين بالإسلام ، ولكونك أنكرته وارتددت استحققت الإعدام ، فإن لم تستبصري وتجحدي هذا الإلحاد خلال ثلاثة أيّام فإنّي سأقضي في أمرك بما يوجبه عليك الشرع » . وأرسل بها إلى دار المفتي ، وأدخلت في مثوى الحرم فيه ، ولكنّها استطاعت الهرب باللّيل والتجأت إلى دار وكلاء التجار الإنكليز ، غير أنّها استعيدت منها ، ودعا بها القاضي في غد ذلك اليوم صباحا ، وأعاد عليها أنّها إمّا أن تقتل شرعا وإمّا أن تترك النصرانية ، وتتزوج رجلا مسلما ، فوافقت المرأة المسكينة « 1 » أن تنتقل إلى الإسلام ودفع إليها في الحال ألف قرش صداقا لها ، وفي اليوم التالي لذلك اليوم تزوجت جنديا ، فأخذها إلى داره باحتفال الغالبين . وقد أثر هذا الأمر في زهو القنصل تأثيرا سيّئا واضحا فكتب إلى الحاكم قائلا : « لئن لم يردّ إليه المرأة في الحال ، وهي نصرانية من غير شك ، ليقطعنّ صلته به وصداقته له ، وليندمنّ الحاكم نفسه يوما ما على ما فعل » . وأمر بإغلاق أبواب دار وكلاء التجار ومنع أن يطأ عتبتها البصريون ، فأعرب له الحاكم عن أسفه الشديد ، وعزا الأمر إلى العامّة المليمين « 2 » وذكر أنّه كان من المحال عليه أن يضبط الأمر ، وأضاف قوله : إنّ المرأة وافقت أن تتزوج مسلما وتركت النصرانية ولا يمكن نقض حكم القاضي .
إنّ كبرياء المستر مانستي وسيرته الجبروتية أحنقتا عليه عدّة أعيان من أهل البصرة ، غير أنّ ناسا يعتقدون بالإجمال أنّ كل هذا الأمر لم يكن إلّا كيدا وتزويرا زوّره أعداؤه ليذلوه ويهينوه ، وليكن ما يكون فإنّهم سيندمون عليه . وتركت البصرة وهذا الحادث لم ينته إلى نهاية ولكني علمت أنّ المستر مانستي رفع القضية إلى باشا بغداد أوّلا وإلى القسطنطينية ثانيا فحصل على نقض حكم القاضي مضافا إلى عزله عن منصب القضاء وأوقع
هامش
( 1 ) هذا ما ورد في الترجمة الفرنسية ويجوز أن يكون المترجم أقحم هذه الصفة توجعا لها ، والفرنسيون يكثرون من هذا الإقحام . ( المترجم ) .
( 2 ) المليم : المستحق للملامة . ( المترجم ) .