من كل اعتداء ، وفي داخل السور بساتين واسعة وكروم ونخيل وتسقى كلها بنهر يتصل بدجلة ، وعامّة الدور مبنية بالرهص بشكل مخالف للمعتاد جدا فهي تشبه الأكواخ ، ولما كان المناخ شديد الحرارة والمدينة تحيط بها بطائح صار الهواء وبيلا ، وبالأشهر الأربعة من الفصل الماطر يفيض النهر ويغمر المزارع والحقول ، وحينئذ يفتح العرب مجاري عميقة لإرواء الصحراء ولكن دجلة « 1 » في جزرها تترك في باطن المجاري مياها مستطيلة راكدة يحدث تصاعد أبخرتها الطاعون أو أمراضا ليست أقلّ منه إضرارا ، والعرب يسمون هذا الفصل « ماء الموج » أي فيضان الماء . وسكان البصرة قلقون دائما من العرب الجوّالين الرحالين وقد التزموا أن يؤدّوا نصف غلات أرضهم إلى قبيلة « المنتفك « 2 » » الّتي وعدت أن تدافع عنهم أعداءهم ، ومع هذا الاتفاق يهجم العرب غالبا على المدينة باللّيل وينهبون جميع ما تقع عليه أيديهم . وقد شيد « عبد اللّه أغا » حاكم المدينة في الزمن الأقرب سورا عليها من جهة الصحراء ، طويلا يمتد ستة عشر فرسخا ، ويحفظ أبوابه حراس متيقظون ، وهذا الرجل لم يهمل قط شيئا لسعادة النّاس وعرف كيفية استحقاقه لتعلّقهم به ومودّتهم إيّاه .
إنّ قبر طلحة وقبر الزبير الصاحبين من أصحاب النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم على ثمانية أميال من البصرة ، ولم أجرؤ على زيارتهما ، لأنّ كثيرا من الوهابيين والعرب يطوفون حول البلدة . وبعد اثني عشر يوما علم القنصل البريطاني أنّي لم يصبني وباء ولا طاعون مجّدني بأن دعاني إلى داره ، وإنّما نلت هذه الرعاية بكتاب من اللورد وأوامر من مجلس المديرين « 3 » توجب على المستر مانستي أن يقوم لي بجميع أشغالي الّتي تتعلق به ، ولكن سيرته أحنقتني فرجوت منه أن يحصل لي على موضع في أوّل سفينة تبحر إلى بومباي حسب ولكنّه لم يفعل حتّى هذا الجميل ، فهذا الرجل الفاضل الّذي يمثل شركة الهند بالبصرة يعدّ عند سكانها رجلا ذا مكانة عالية ، ومنهم من يفرط في تملقه ، فهو جدّ مفترّ مزهو بحيث صدمه تصريحي ، وأراد غمي وإهانتي ،
هامش
( 1 ) قلنا : إنّ النهر شط العرب لا دجلة وحدها . ( المترجم ) .
( 2 ) تقدّم ذكرها في الرحلة . ( المترجم ) .
( 3 ) أراد أبو طالب « مديري شركة الهند » في إنكلترا .