فمن وظائف القنصل أن يرسل بالرزم والرسائل الموجه بها إلى الهند وهذه الخدمة كثيرة الريح جدا ، ففي سنوات معدودات استعمل لهذا العمل التجار العرب من قبيلة عتوب أو أوّل سفينة إنكليزية راسية بالبصرة ، ولكنّه حسب أنّه يكون أربح له أن يكون تحت أمره سفن صغار ، يستطيع أن يشحنها ، مع الرسائل ، ببضاعات تكسبه ربحا عظيما ، فحصل على ست سفن أو ثمان من ذلك النوع بجميع شؤون التجار بالبصرة ، وإشتياموها « 1 » من خدمه الخاصين به ، فلذلك كانوا يطيعونه في أوامره طاعة عمياء . وبعد عدّة أيّام من وصولي أعلمني المستر مانستي أنّ سفينة على عزم أن تبحر إلى بومباي وأنّه يجب عليّ أنا نفسي أن أدبر أمري مع الاشتيام لأنّ ذلك لا يختص به البتة ، فتوجهت إلى ذلك الرجل إذن فطلب منّي خمسمائة ربية أجرة حملي في سفينته ، وبان لي المبلغ فاحشا ، وسكان البصرة يدفعون أقل منه بكثير عند سفرهم ، فأدركت أنّ احتيالا يوقع عليّ ، فشكوت ذلك إلى القنصل فقال لي إنّه لا يستطيع أن يتدخل في هذا الشأن أبدا ، فرجعت إلى الاشتيام في اليوم الثاني وقدمت إليه ثلاثمائة ربية ، فقبل ذلك قائلا لي : ينبغي أن أطلع السفينة من غير إبطاء لأنّ الريح طيبة وملائمة للإبحار ولأنّه ينبغي له الإقلاع ، فأعلمته أنّ أثقالي وحقائبي بالبصرة ولذلك أحتاج إلى ساعة أو ساعتين لنقلها إلى السفينة ، ولكنّه أبى أن ينتظرني محتجا بأنّ الريح يمكن أن تتغير في هاتين الساعتين ، ويجوز أن يؤخره التغير عشرة أيّام أخرى بالبصرة ، وهكذا فاتتني هذه الفرصة . وبعد أيّام قليلة بعث المستر مانستي سفينة أخرى من غير أن يعلمني بها ، فلما عاتبته قال : إنّ هذه السفينة مبحرة إلى البنغال وأنت تود أن ترى عجائب بومباي . ثمّ أقلعت سفينة ثالثة فوجد حجّة أيضا لكيلا يجعل لي فيها موضعا ، فلم أستطع أن أكتم اغتياظي ، وقلت له : إنّه تجافي عن الخلق الإنكليزي « 2 » ، واختار عادات الشرق الخشنة ، ونظمت في هجوه قصيدة ، وقرأت عليه أبياتا منها ، فقال لي إنّي قد أفسدتني لندن وإنّه
هامش
( 1 ) الاشتيام هو ربان السفينة كما ذكرت في أوّل الرحلة . ( المترجم ) .
( 2 ) قلت : ومن أدرى أبا طالب أنّ هذه الخدع ليست من الخلق الإنكليزي ، فالإنكليز يراؤون في بلادهم ويكاشفون ويجاهرون في غيرها ، وخصوصا مستعمراتهم ، وهذا أمر مشهود من هذا الشعب المتعجرف . ( المترجم ) .