فداخل الخوف المستر مانستي حالما علم بوصولي ، فتقدم إلى ضفة النهر وحثّني بالإشارات على أن أبلغ البصرة فقد أعدّ لي فيها منزلا ، ولما علمت بمذيعي هذه الأكذوبة أضمرت لهم كل الاحتقار الّذي يستحقونه ولكني صرت إلى البصرة إشباعا لرغبة المستر مانستي وفيها وجدت مثوى معدا لي في دار « أغا محمّد عبد النبي » وهو صديق حميم للمستر مانستي ، وكان ملك الفرس قبل مديدة استقدمه إلى بلاطه ليسند إليه وظيفة سفير لدى حاكم الهند العام ، بدلا من « حاجي خليل خان » الّذي قتله حراسه في بومباي وحمل جثمانه إلى النجف بنفقة شركة الهند ليدفن باحتفال فخم في المشهد المقدّس .
أبو طالب بالبصرة
ويسكن البصرة كثير من الفرس المتميزين الّذين اضطروا إلى ترك بلادهم مثلي بسبب الثورات الّتي مزّقت هذه الإمبراطورية زمنا طويلا ، وقد جاءني عدّة رجال منهم وكنت أرى في الاجتماع معهم معرفة ولطفا وهذا ما عوّضني من السآمة الناشئة من عيشي مع أهل البصرة فإنّهم همج بخلاء « 1 » ، ولكنّهم أوفياء وذوو اعتماد وثقة في صلاتهم التجارية « 2 » ، وهؤلاء الممتلئة أذهانهم من الأحكام المبتسرة والأخطاء لا يشكون في وجود الإكسير « 3 » .
والبصرة مدينة أعظم بكثير من بغداد وهي مركز اجتماع التجار لجميع أصقاع الشرق ، وسورها وخندقها العميق المملوء من ماء دجلة « 4 » يصونانها
هامش
« ثمّ رحل إلى بغداد أوّل صفر يوم السبت وكان الطاعون الشديد في بغداد ، وكان يموت فيه كل يوم نحو أربعمائة نفس من الجانبين فتثاقل علي باشا لذلك في الطريق حتّى بلغه أنّ الطاعون انقطع آخر صفر » ( 67 ) .
( 1 ) قلت : المشهور من الصفات عنهم هو بالضد ممّا قاله أبو طالب كسماحة الأخلاق وطيب الأعراق والسخاء الدائم . ( المترجم ) .
( 2 ) قلت : وليس من الممكن أن يكون للرعاع مثل هذه الصفات ، فلعلّ في أصل الترجمة وهما جعل الجهلاء رعاعا . ( المترجم ) .
( 3 ) كان هذا عاما في الأمم حتّى السنين الأخيرة من عصرنا فلا يعد عيبا فيهم . ( المترجم ) .
( 4 ) الصحيح ماء شط العرب . ( المترجم ) .