فتركهم العرب يقتربون ، وباللّيل كسروا السّدود عليهم فرأى الفرس أنفسهم قد أحاط بهم الماء قبل أن يلحظوا الخطر ، وحينئذ زحف الشيخ إليهم فقتل علي مردان خان قائدهم ومعظم جيشهم . وفي أثناء هذه السفرة الّتي سفرتها في دجلة عشت بتقشف شديد ، وإذ لم يكن عندي ما أتقي به حرارة الشّمس ولا ما استذري به من المطر أصابتني في الرابع حمى حادة اضطرتني إلى ملازمة سريري مدة شهر على التقريب بعد وصولي إلى البصرة .
القرنة
وباليوم الثاني والعشرين من ذي القعدة دخلنا مدينة القرنة ، وعند جدرانها يلتقي الفرات ودجلة ويكوّنان نهرا أعرض من نهر الكانج بضعفين ويسمّى شط العرب أي نهر العرب ويصب في الخليج العربي .
معقل « الكوت الفرنجي »
وباليوم الثالث والعشرين الّذي هو اليوم السابع لهذه السفرة المملّة وصلنا إلى معقل ويسميه الأوروبيون « ماركيل » وهو على فرسخين من البصرة ، وشركة الهند تملك فيه مكتب تجارة صغيرا يقيم فيه القنصل « 1 » ، والبناية محوّطة بسور من الرهص ، وتسمّى « الكوت الفرنجي » أي الحصن الأوروبي ، فكوت تعني باللغة العربية حصنا صغيرا . ومنظر هذه البلدة راعني بجماله ، والشهرة الحسنة الّتي نالها المقيم الإنكليزي جعلتني أحدّث نفسي باستقبال حريّ بأن يعيد إليّ قواي البدنيّة وقواي المعنوية الّتي أثّرت فيها الهموم والأتعاب تأثيرا ظاهرا ، ومن سوء حظي أنّ أشخاصا حملهم النفع الدنيء كانوا قد أذاعوا بخبث أنّ علامات طاعون ظهرت ببغداد « 2 » ،
هامش
( 1 ) سيأتي في كلامه أنّ اسمه المستر مانستي وأنّه وكيل شركة الهند بالبصرة ومركزها بلندن .
( المترجم ) .
( 2 ) لم تكن الإذاعة باطلة ولا أكذوبة قال الشيخ ياسين العمري في حوادث سنة 1218 ه من غرائب الأثر : « وفيها عاد الطاعون إلى بغداد وكان قد انقطع في صفر فعاد إليها في ذي الحجّة وابتدأ في قرشي ياخا ( الجانب المقابل وهو الغربي ) ثمّ في بغداد في ذي الحجّة فكان يموت في اليوم مائة وخمسون وأكثر » ( ص 64 ) وقال في سفر الوالي علي باشا إلى الشمال وعوده إلى بغداد :