هذا الرجل الفاضل ، لم يفكر قطّ في إلزام قواعد النظافة في داره إمّا بسبب معيشته زمنا طويلا بين الأتراك وإمّا بسبب سجيته المتهاونة بطبيعتها ، ففي مرّات كان يتغدى في الساعة التاسعة « 1 » ، وفي مرّات بالظهيرة ، ولم تكن له ساعة معينة للعشاء ، ومائدته سيّئة المحتوى والأعداد دائما ، وحديثه عليها كان كئيبا سقيما ، فلا تنشطه فإنة ولا سرور ، ومظهر الاحتقار أظهره صاحب الدار للضيوف دلّ على أنّه لم يبتهج قط بالاجتماع معهم ، بله أنّه كان ذا سجية فاحشة الغيرة ، ولم يرد البتّة أن يتحمل قبولي أقلّ خدمة من الموظفين الأتراك قائلا : إنّه يجب عليه وحده أن يرعى مصالحي ، وإذ وضعت نفسي في حمايته ، وكان يحسب نفسه ذا مكانة رفيعة جدا لا تليق بأن يتولى شؤوني بنفسه ، وكلها إلى وكيله وكان لصا شهيرا ، احتال عليّ احتيالات بشيعة ، وأراد أن يفقدني الحياة ، فقد جرت العادة أن تكون المسيرة بين بغداد والبصرة في النهر ، وخصوصا في فصل الأمطار حين تكون دجلة ذات جرية شديدة ، وكنت عزمت أن أنضم إلى أشخاص محترمين لاكتراء سفينة حسنة التوزيع والتفريع تجعلنا قادرين على السفر براحة وسماحة ، ولكني في اليوم الّذي عدت فيه من النجف أعلمني وكيل القنصل المستر جونس أنّ سفينة جيدة من سفن شركة الهند مشحونة بضائع على عزم الإقلاع بعد ساعات إلى البصرة ، وأضاف إلى ذلك قوله : إنّ الفرصة سانحة جدا للسفر بنفقات قليلة ، ولأنّي حسبت أنّ السفينة على حال جيدة وافقت على ذلك في الحال من غير أن أحتاط لنفسي بأن أراها قبل ركوبها ورجوت من الوكيل أن يأمر بنقل أثقالي وحقائبي إليها ولكن مفاجأتي بها كانت هائلة ، حين بلغت ضفة النهر فقد وجدتها عتيقة مسطحة قذرة بغير بساط ، وملاحوها ذوو وجوه متوحشة ، وتشبه حقيقة السفن الّتي تجلب فيها الأخشاب في كلكتا ، فنكصت اشمئزازا وكدت أرجع إلى مثواي ولكني فكرت في سيرة المستر جونس والعيش الممل الّذي أعيشه ببغداد ، فقفزت إلى السفينة عازما على أن أقتحم كل الأخطار ، وقد سلخت أربعة وأربعين يوما ببغداد ، ومنها الأيّام الّتي قضيتها في الزيارات ، وقد كدت
هامش
( 1 ) عاد أبو طالب إلى ذكر الطعام وقد ذكره في رحلته مرارا والظاهر أنّه كان نهما أكولا .
( المترجم ) .