أبو طالب في كربلاء
وباليوم الرابع من ذي القعدة « 1 » ( سنة 1218 ه ) الموافق لليوم الأوّل من مارت سنة 1803 م بعد إقامتي ببغداد ثمانية أيّام استأنفت سفري لزيارة مشهد كربلاء ومشهد النجف الأشرف ، وفي هذه المرّة لم أعلم الباشا بنيتي وخطتي فاكتريت خفية خيلا وبغالا من حوذيّ ، واتفقت معه على أن يرافقني في جميع الطريق ، وسافرت بلطف فائق ، ولقيت حفاوة من كل من لاقاني في أي موضع كنت من طريقي ، وابتهجت بلقيا قاضي كربلاء « ملا عثمان » وكان عائدا إلى كربلاء ، وكان رجلا سنيا ولكنّه كان قد تفقه وتثقف وتعلم علما جليلا ، وكان بريئا من أوهام الأحكام الّتي يحكم بها الطغام قبل الاستعلام ، وظهر لي أنّه سرّ سرورا عظيما بلقائي ورجا منّي أن أكون رفيقه في السفر . وفي الطريق من بغداد إلى النجف رأيت بين كل ثمانية أميال خانات مسافرين مبنية بالآجر تشبه حصونا ، ولكنّها يندر أن يقم فيها المسافرن . وفي اليوم الأوّل سرنا أربعين ميلا وقضينا اللّيل في خان المزراقجي « 2 » ، ثمّ وصلنا إلى كربلاء في نحو الساعة الثالثة من اليوم الثاني ، ونزلت في دار السيّد حمزة وكنت عرفت ابن أخيه في مقصود أباد في البنغال وكنت أرجّي أن أراه ثانية بكربلاء ولكنّه توفي قبل وصولي إليها بعدّة أشهر ، ومع ذلك فقد استقبلني « 3 » أبواه استقبالا حسنا ، وأعاناني على إتمام مختلف مناسك الزيارة ، وتلقاني حاكم كربلاء أمين أغا « 4 » بكثير من الأدب ودعاني مرتين إلى التغدّي معه ، وأعد لي خيلا لأسافر إلى النجف ، ورغب في دفع كرائها ، ولما كان ذلك يحرمني ثواب الزيارة لم أقبل قط هذا البذل . ولقيت في كربلاء عمتي « كربلاي بيكوم » وعدّة نساء من توابعها ، وكان شقاء أسرتنا قد اضطرهنّ إلى اعتزال العالم فجئن يقضين أيّامهنّ
هامش
( 1 ) في التوفيقات الإلهامية أنّ أوّل شوال وافق اليوم 14 من كانون الثاني سنة 1804 م وعلى هذا يكون ذو القعدة من سنة 1218 ه ملابسا لسنة 1804 م لا سنة 1803 م . ( المترجم ) .
( 2 ) المشهور « خان المزراقجي » وقد جعله أبو طالب « مرزاكيجي » فغيرنا قوله لأن كان يتأول فيوهم في الأعلام وقد أشرنا آنفا إلى تسميته « مرزاكيجي » . ( المترجم ) .
( 3 ) تدلّ هذه الكلمة بالفرنسية على الأقرباء أيضا . ( المترجم ) .
( 4 ) لم يذكره أحد من مؤرخي هذه الحقبة من العراقيين . ( المترجم ) .