نعود إلى ضفة النهر ، واضطررنا أيضا أن نرجع أدراجنا إلى مسافة ثلاثين ميلا والارتفاع إلى قرية بلد ، ولم نستطع أن نحصل فيها إلّا على سرر نوم رديئة مع مقاساتنا عسرا شديدا في البحث . وفي اليوم الرابع عدنا إلى ضفة النهر ومن هناك عبرنا بعد أن خاطرنا بأنفسنا ، ونزلنا إلى الضفة الأخرى قبيل غروب الشّمس ، وبتنا تحت خيمة شيخ أعرابي من سكان الصحراء ، وقد ظهر أنّ هذا الشيخ مراء ومراوغ كبير ، فلأنّه كان متوعك المزاج بنزلة صدرية حادة استعجلني في إنقاذه منها ، وقد بعثه باعث الانتفاع بما عندي من علم بالطبّ على الإلحاح عليّ في أن أمكث بعض الوقت عنده أمرّضه ، فلما أبيت ، سوّلت له نفسه أن يخفي بغلي وفرس دليلي في أثناء اللّيل ويؤكد لي أنّهما هربا من مرابطهما وبهذه الخدعة يأمل أن يبقيني عنده ما دام محتاجا إليّ مع إرادته أن يعتصر منّي مكافأة مالية على رجعه الحيوانين ، فأحنقني بهذه السيرة ، واعتزمت أن أقول له إنّ مركز الألم في محجر عينه ، ولا أستطيع علاجه إلّا بأحداث شق عميق فيه ولا يمكنني ذلك فلا آلة له عندي ، فأقنعته بتقريري . وبالظهر أعاد إليّ الفرس والبغل ، وعاودنا مسيرنا بلا تلبث ، وسرعان ما بلغنا نهروان « 1 » : قرية شهيرة بظفر الخليفة عليّ بأعدائه الخوارج « 2 » . فعبرنا أودية وأرضا متحدرة حتّى نحو الساعة الثالثة من بعد الظهر على التقريب وإذ ذاك رأينا خان قوافل متهدما ، وهو قائم على تلّ ويعرف باسم سراي المزراقجي « 3 » وهذه المنزلة الثانية الّتي ينزل فيها الزوار للاستعداد للزيارة بحسب العادة ، ولما كنّا على
هامش
( 1 ) أراد أبو طالب « القاطول الكسروي » الّذي احتقره كسرى أنوشروان كما ذكرت ياقوت الحموي في « القاطول » من معجم البلدان ، وقد سماه النّاس « نهروان » أو « النهروان » على لغة أخرى من باب الأعمام لأنّه كان بعد أن يصب فضل مائه في وادي العظيم يظهر للرائي كالخارج من العظيم إلى قاطول القناية بين العظيم وديالى من جهة بعقوبا ، ويظهر للناظر هناك كالخارج من ديالى إلى نهروان الأصلي فوق ما يعرف بكاسل بوست ويمتد إلى آخر لواء الكوت وينتهي عند أرضه الجنوبية ، قال الطرماح « طال في شط نهروان اغتماضي » . ( المترجم ) .
( 2 ) كانت وقعة الخوارج على النهروان الأصلي تحت كاسل بوست . ( م ) .
( 3 ) هذه الخانات معروفة بخانات المزراقجي أحد أعيان التجار الكبار من الشيعة ببغداد وقد صحفه أبو طالب لغلبة « الميرزا » على ذهنه وكتبه « مرزاكوجي » وسيذكره في سفره إلى كربلاء بصورة « مرزاكيجي » . ( م ) .