الخامس قبل غروب الشّمس ، ولو كنت استعلمت في هذا الأمر في قره تبة لأغناني ذلك عن المتاعب غير المفيدة فسامراء على مسافة أربعة وعشرين ميلا من قره تبة « 1 » ، وكنت أستطيع أن أمرّ بها بسهولة في ذهابي إلى بغداد ولكن ثواب هذه السفرة يجب أن يقاس بمدى المشقة فيها وأنا لم أشرع فيها إلّا ابتغاء تقديم احترام وتعظيم وتكريم إلى هذا المكان المقدّس ، ومن خروجي من بغداد إلى رجوعي إليها كان المطر مستمر النزول . ومن زيادة البلية عليّ أنّ دليل باشا بغداد الّذي أرسله معي ليدلني كان سنيا متعصبا . فكان يهوى تنكيد الشيعة وإعناتهم في كل موضع نمر فيه ، فكان هؤلاء الناعسون يهربون عند اقترابنا منهم ، ويوسعونني لعنا ، وقد بتنا اللّيلة الأولى تحت خيمة لرئيس عربي من قبيلة بني تميم كانت قريبة بعض القرب من تل يسمّى « سور نمرود « 2 » » الّذي قبل إنّ هذا الملك حاول بجنون أن يرقى منه إلى السّماء . ومنذ اللّيلة الثانية دخلنا بلدة دجيل في حدود الأرض المقدّسة ، وقد مكثنا عند متسلم أي مدّعي الإسلام « 3 » ، ومعنى ذلك على مذهب أهل السنة « 4 » . وفي اليوم الثالث ذهبت في أثناء سلوكي الطريق ، أقدّم احترامي إلى قبر إبراهيم ( بن ) مالك الأشتر قائد مشهور من نسل صهر محمّد « 5 » وقبر محمّد بن الإمام علي الهادي الّذي يحترمه النّاس حتّى أنّهم لا يقسمون إلّا باسمه ، وكنّا إذن جدّ متأخرين حين وصلنا إلى ضفة دجلة ، وفي هذا الحين يكون النهر عميقا دائما وسريع الجرية ، وكان يجب علينا عبوره ولذلك ركبنا سفينة مخرّفة يظهر على ملاحيها أنّهم يجهلون صنعتهم كل الجهل ، فالمطر ، هاطلا والريح عاصفة بشدّة في نحو معاكس لوجهتنا ، أذهبا جميع مجهودنا سدى ، وبعد أن تعبنا ساعة اضطررنا إلى أن
هامش
( 1 ) هذا من الأوهام فلعلّ الّذي أعلم أبا طالب ذلك أراد أنّها على تلك المسافة من مفترق الطريقين أو ملتقاهما عند خان النهروان . ( المترجم ) .
( 2 ) الظاهر أنّه « عقرقوف » المشهور . ( المترجم ) .
( 3 ) سبق أن أشرنا إلى وهم أبي طالب في تفسير المتسلم فيما مضى من رحلته وذكرنا أنّ المتسلم لفظ عربي استعاره الأتراك العثمانيون لمن يتسلم الحكم في البلد أو المدينة قبل وصول حاكمهما . ( المترجم ) .
( 4 ) وهذا من تعصب أبي طالب الأعمى مع أنّه يلوم المتعصبين في رحلته :لا تنه عن خلق وتأتي مثله * عار عليك إذا فعلت عظيم ( م ) .( 5 ) وهذا ومن أوهام أبي طالب أيضا . ( المترجم ) .