من حيث كنّا ، وفي اليوم الحادي عشر بلغنا « بندر » فقره جيلة وبعد أن بدلنا الخيل واصلنا السير إلى « قره جوران » وقد قطعنا هكذا أربعة وثمانين ميلا في يوم واحد ، وكان الوقت حين وصلنا إلى المنزلة الأخيرة منتصف اللّيل ، فاضطررت إلى النوم فيها ، وآذتني حشراتها ، أشد الأذى ، وقره جوران مشهورة بعسلها وزبدها الّذي يستبضع إلى مدن بعيدة .
وفي اليوم الثاني عشر من آذار ( سنة 1802 م ) بلغنا مبكرين « قبة حصار » وهي قرية كثيرة القذارة ، وموظفو البريد فيها هم لصوص كبار ، وقد جعلونا ننتظر ساعتين بحجّة تنعيل الخيل وإعداد الغداء لأتباعي وبعد أطلاب « 1 » مكرّرة منّي أحضروا لنا الخيل ، وكانت نتيجة هذا التأخير أنّ كان اللّيل قد أرخى سدوله حين وصلنا إلى « توزيه » وكانت مسيرتنا في هذا اليوم نحوا من ثمانين ميلا وتوزيه مدينة كبيرة ولكن دار بريدها كانت أردأ مقام وأكرهه ، والّذين يسكنونها هم أطمع الخلق الّذين لقيتهم في حياتي ، ونزاعي لهؤلاء الأردياء كان سببا في أنّي لم أستطع مواصلة السفر في اليوم الثالث عشر إلّا في نحو الساعة العاشرة فأوّل منزلة لنا كانت في « حاجي حمزة » على مسافة مقدارها نحو من ستة وثلاثين ميلا ، والثانية « عصمان « 2 » جق » على اثنين وثلاثين ميلا منها ، وسرنا كل ذلك النّهار في أطراف جبال ذوات منحدرات صعبة ، وفي طرق وعرة بشيعة خطرة .
وفي اليوم الرابع عشر من آذار تغدّينا في « ميرسوان » على مسافة ستة وخمسين ميلا ، وفي نحو منتصف اللّيل وصلنا إلى « أماسيه » بعد مسيرة قدرها اثنان وأربعون ميلا ، فتكون المسيرتات ثمانية وثمانين ميلا . وميرسوان قرية كبيرة قائمة في سهل فسيح جدا ، وقد بان لنا من سكانها أنّهم كثيرو العناية بنا ، وحفدوا في إعداد خيل لنا . وفي أماسيه لم يكن الأمر كذلك ، فمع أنّ هذه المدينة عظيمة ، وفيها كثير من الطواحين المائية والهوائية ، طرقها ضيّقة وفيها كثير من الشقف « 3 » ، ودار البريد غاية في القذارة وقيّمها محتال مكّار .
هامش
( 1 ) الأطلاب جمع الطلب كالأطراب جمع الطرب . ( المترجم ) .
( 2 ) تصحيف « عثمان » من ارتضاخ اللكن . ( المترجم ) .
( 3 ) الشقف جمع الشقفة وهي القطعة من الخزف ، وفي أصل الترجمة الفرنسية « مملوءة من الأواني » ولا معنى مناسبا له . ( المترجم ) .