تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة أبي طالب خان إلى العراق واوروبا — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
ولا أحسبني أوفي على النهاية إن أردت أن أذكر تعداد المكايد المخزية الّتي كادني بها هذا الإنسان التاعس الشقي في أثناء الطريق ، وأجتزئ بأن أذكر هنا ذروا من سيرته معي ، وأوّل كيده أنّه أظهر من الجراءة ما جرّأه على أن استحوذ على مبلغ النفقات المذكورة آنفا ، وفي كل هذه السفرة لم يكد ينفق مائة قرش على شؤوني ، وثانيه أنّه لم يؤدني إلى دور البواشية ولا دور الولاة بل رأى من اللائق أن يحبسني منذ الأيّام الأولى من السفر في دور البريد ، فقاسيت فيها من أذى البراغيث والفسافس الشديد ما منعني الغمض طول اللّيالي ، ولما سألته لماذا لا يؤديني إلى دور الولاة بحسب ما تلقى من الأوامر ؟ لجأ في الاعتذار من تقصيره إلى أفحش الأكاذيب ، ومرّت ثلاثة أيّام أو أربعة على هذا النحو ، وقد عرفت حقيقة هذا الشقي ، فصمّمت على أن أذهب أنا بنفسي إلى دور البواشية أو الولاة وكان يكفيني أن أعرض عليهم فرمان السلطان الّذي كان معي ، ليجيزوا لي الدخول في دورهم ، ويعاملوني أجل المعاملة وألطفها ، وفي الأخير أقول إنّه كان يجبرني بحسب هواه أو بحسب ما يناسبه أن أسير إمّا مرحلة بريدية واحدة وإمّا ثلاثا أو أربعا طوالا في يوم واحد ، بخلاف التعليمات الّتي معه والسبب في سيرته هذه سرّي ، وكان يتحرز من التوقف في المدن الّتي يقيم فيها البواشية وذلك لإرغامي على قضاء اللّيالي في دور البريد ، حيث يتزوّد كل ما يلائم ذوقه مجانا بمجرد عرضه أجوزتي ، وفي أثناء طريقنا لاقينا قافلة فأجبرني على أن أقيم عدّة أيّام مع هؤلاء المسافرين « 1 » بحجّة أنّ الطريق يقطعه اللصوص الشطار . وموجز القول إنّ سيرته معي كانت جد شنيعة وجدّ جافية بحيث كان نظري إليه وحده لا يطاق ، ولما وصلت إلى ديار بكر « 2 » رجوت من حاكمها « أحمد أفندي » أن يعدّ لي دليلا آخر ، فوافق هذا السيّد على رجائي برعاية وأمر أحد خدمه أن يصحبني إلى ماردين ، ومن هناك سرت في حماية أحد اتباع « عبد اللّه أغا » حتّى الموصل ومنها توجهت إلى بغداد ، مصحبا بخادم من خدم محمّد باشا « 3 » . ومع إذني لدليلي الأوّل علي المهمندار اللص الخبيث
هامش
( 1 ) قلت : الظاهر أنّه كان يخاف على المال الّذي احتجنه من النفقات من أن يسطو عليه الحرامية . ( المترجم ) . ( 2 ) يعني مدينة آمد العتيقة . ( المترجم ) . ( 3 ) هو محمّد بن أمين باشا الجليلي الموصلي ذكر الشيخ ياسين العمري أنّه ولد سنة 1170 ه ،
رحلة أبي طالب خان إلى العراق واوروبا — صفحة 236 | حاجي محمد بيك خان