ولكني لتوقاني إلى معرفة هذا القسم من العالم فضلا عن توجهي إلى وطني شرعت فيه بسرور وحبور . وباللّيلة الأولى بتنا في « كيزا » وهي على مسافة اثني عشر فرسخا من أسكدار ولم تقطع القوافل هذه المسافة بأقل من اثنتي عشرة ساعة ، فإنّه يندر أن تسير أكثر من فرسخ واحد في الساعة الواحدة ، والفرسخ يساوي « كوسين » هنديين أي أربعة أميال إنكليزية . وفي الغد وصلنا إلى « أزموت » الّتي يتلفظها الأوروبيون بصورة « أزموز » وهي مدينة قديمة الزمان جدا وواسعة وعلى مسافة ستة وثلاثين ميلا من كيزا ، وغالب سكانها نصارى ، وفي أسواقها كل نوع من المأكولات وبضاعات أخرى .
وفي اليوم الثامن من شعبان ( سنة 1218 ه ) ركبنا الخيل فجرا وبعد أن قطعنا ثمانية وعشرين ميلا توقفنا لتناول شيء من المبردات ولتبديل الخيل في قرية زرية المظهر جدا تسمّى « تبانجه » ومن هناك سرنا أربعين ميلا أخرى قبل أن نصل إلى « خندك » : قرية جميلة يشتقها نهر سريع الجرية ، وقد بدا لي سكانها على قدر صالح من المدنيّة ، وقضيت فيها ليلة حسنة ولكن المناخ تحوّل إلى برودة قارسة ، وقد أصابتنا عدّة شآبيب من البرد ، وحدث جمود قليل ، ومع هذا فقد واصلنا السفر في التاسع من مارت « آذار » فجرا ، وبعد أن استبدلنا بخيلنا خيلا مراحة في « دوزجه » وصلنا في نحو الزوال إلى « بيلي » ، وكانت مسافة ذلك النّهار ستة وتسعين ميلا ، وكان علينا في آخرها أن نتوقل في جبل طويل يبلغ طوله عشرين ميلا ، وكان الطريق فيه ضيّقا ومتعرجا ذكّرني المدراج الضيقة الّتي يسلكها النمل فوق تلعة من تلاع الأرض ، وكان البرد قارسا يومذاك وقد تلفّفت بالفراء حتّى كنت لا أكاد أسير ، فضلا عن أنّ الظلام كان شديدا ، ولما انحدرنا من آخر الجبل استسلمت للقدر الإلهي ، فلو كبت فرسي أو حادت ست أصابع فقط عن الثنيّة الضيقة الّتي كنّا سالكيها ، لتقطّعت من غير شك ألف قطعة ، فدليلي إذن قد ارتكب تهوّرا كبيرا باتخاذه هذه المسيرة الخطيرة في فصل غير ملائم جدا ، وأنا أوصي بإلحاح المسافرين ممّن يسلكون هذا الطريق أن يقضوا اللّيل في « دوزجه » ولا يعادوا السير إلّا فجر النّهار ، وينبغي لي أن أعلمهم بأن سكان هذه القرية هم في عداد اللصوص والقتلة .
وفي العاشر من آذار قربنا من قرية « قره داغ » على مسافة أربعين ميلا
رحلة أبي طالب خان إلى العراق واوروبا — صفحة 238
مساهمون: حاجي محمد بيك خان
ص٢٣٨