في تجنب الأخطار لم أسلم من أن أكون مع رفقاء مسئمين وبين ناس حبّ التدخل في أمور غيرهم يدفعهم إليّ حيثما استرحت ، فيأتون يدخنون بسبلهم بإزائي بهدوء وسكون .
وفي اليوم السابع والعشرين بكرة وصلت إلى « ملطية » بعد مسيرة مقدارها اثنان وثلاثون ميلا ، وفي حوالي هذه المدينة لحظنا أنّ الفراسخ معينة بما يفي بالتعيين من الحجارة المتخذة صوى وهذه العادة تتيح بالتأكيد للمسافر تخفيفا من مشقته ، وملطية مدينة كبيرة ولكنّها قذرة ومستوحلة ، ويجب أن تعزى هذه القذارة إلى عادة أهل البلاد من عدم تبليط الشوارع ، وإذ كانت دار البريد مقززة للنفس كل التقزيز فضلت أن أبيت في دار متسلم أي مدّعي الإسلام « 1 » ، وكان شيخا كبيرا ظاهر العبوس طول الحيته قدم ونصف قدم في الأقل ، وبينما كنّا نتحادث معا اجتمع حولي أطفاله ، وأذكر عرضا ، أنّهم كانوا صباحا جدا ، وأخذوا يضحكون من هيأتي وطريقتي في الكلام ، فغاظ فعلهم الشيخ وضرب منهم أفرادا وطرد الكلّ ، ومثل هذه القسوة آلمتني لأنّ الثرثرة البريئة لهؤلاء الأولاد الصغار أبهجتني أكثر من حديث المتسلم البارد الجافّ . ولم ينقطع المطر طول ذلك النّهار وقد علمت أنّ قليلا من الثلج يسقط في هذه النواحي ، وإن لم يكن مثل ما على الجبال الّتي بين هذه المدينة وماردين . أمّا في بغداد والموصل فلم يرقط نزول ثلج « 2 » .
وباليوم الثامن والعشرين غادرنا ملطية وبعد أن قطعنا مسافة ثمانية وعشرين ميلا وصلنا إلى ضفاف الفرات ، وفي هذا الموضع ينبع هذا النهر من جبلين بجرية شديدة جدا ، ومجراه عميق جدا أيضا ، وسايرنا مجراه قليلا فوصلنا إلى قرية صغيرة من كردستان تسمّى « آيزأوغلي » وبان لي أنّ رئيسها أفخر إنسان وأشد حمقا ممّن لاقيت من الحمقى ، وإذ لم يكن في
هامش
( 1 ) أخطأ أبو طالب - رح - في هذا الشرح وغره ظاهر اللفظ مع أنّ « المتسلم » كلمة عربية استعارها الأتراك لمن يتسلم البلدة أو المدينة غالبا إلى أن يأتيها وإليها وسيكرر أبو طالب هذا الوهم في كلامه على سفره إلى سامراء . ( م ) .
( 2 ) قال أبو طالب بما لم يعلم فالثلج يسقط ببغداد نادرا . ( المترجم ) .