وفي اليوم الخامس عشر من آذار ( سنة 1802 م ) عزمت على النزول في قرية « ترخال » ولكني اضطررت إلى علف خيلي بنفقة منّي ، لأنّ قواعد الأتراك لا تجيز للمسافرين والرحالين التوقف فيما عدا المنازل المعينة ، وهذه القرية ظاهرة الجمال ، وسكانها كما يدلّ عليه ظاهرهم مؤدّبون متمدنون .
وفي اليوم السادس عشر وصلنا إلى توقات « 1 » بعد مسيرة ثمانية وثمانين ميلا ، وتوقات من أقدم المدن وأشهرها في أرمينيا ، وأرضها تغلّ عنبا كثيرا كبار الحجم لم أر مثله ، وقد اضطررنا إلى التوقف في توقات ثلاثة أيّام إذ لم نجد فيها خيلا ( بريدية ) حتّى لقد أجبر الحاكم أحد سواق العربات الأهليين أن يعد لنا فرسين وعدّة بغال ، وتهدد مدير البريد تهددا حمله وأتباعه على الهرب . والأرض الّتي بين أماسيه وتوقات كلها جبليّة ، والطرق فيها ملتوية ، وفي هذه الجبال معادن ذهب ومعادن فضة تستخرجهما الحكومة ، فالمعدنيات الّتي تستخرج منها تنقل إلى القسطنطينية لتضرب نقودا . وقد أمضينا ليلة العشرين من آذار في قرية « كارخان » .
وبالحادي والعشرين من آذار ( سنة 1802 م ) بلغنا « سيواس » والمسافة بين توقات وبينها ستة وتسعون ميلا ، والعادة أن تسار كلها بيوم واحد ولكن رداءة المناخ والخشية من أن يدفننا الثلج اضطرّتانا أن نقطعها بيومين ، وفي هذين اليومين سقط ثلج كثير جدا ، وكانت الريح تعصف بشدّة حتّى لقد قذفت بغلين من بغالي محملين حملين ثقيلين في اللهوب « 2 » فتقطعا قطعا .
وسيواس هي سيباست الرومية ، مدينة قديمة وكبيرة ، وذكرها مستفيض في التاريخ ، ولم يمنع ذلك إن كانت شوارعها قذرة ومتوحلة جدا بحيث ساخت فرسانا حتّى صدورهما ، وقد تشرّفت في هذه المدينة بالبيتوتة في دار الباشا . وكانت - وأذكرها عرضا - مملوءة براغيث ، وبها يستطاع معرفة
هامش
( 1 ) في معجم البلدان « توقات بالفتح ثمّ السكون وقاف وتاء فوقها نقطتان : بلدة في أرض الروم بين قونية وسيواس ذات قلعة حصينة وأبنية مكينة بينها وبين سيواس يومان » ، وهي غير طوغات من أعمال أرزن الروم » .
( 2 ) اللهوب جمع اللهب على وزن الشبر وهو المهواة بين جبلين . ( المترجم ) .