أحوال الدور الأخرى . والأرض الّتي بين توقات وسيواس لم تكن إلّا سلسلة جبال قد غطاها الثلج في هذه الأيّام . وتوقات وسيواس وديار بكر وماردين هي مدن أرمينيا التركية الرئيسة ، ومدينة « قارص » و « أرضروم » و « وان » و « أريفان » تقوم على يسار طريقنا على مسافة ما ، وتعد من أرمينيا الفارسية .
وباليوم الثاني والعشرين من آذار توقفنا في « أولاش » ، وفي الثالث والعشرين منه في « ديلكل طاش » وهي مدينة على مسافة ثمانية وأربعين ميلا من سيواس ، مشهورة كل الشهرة بعنبها وكشمشها وهي على قمة جبل قاسينا مشاق في تسلقه لأنّه قد جلله الثلج . وفي اليوم الرابع والعشرين توقفنا في « آلجه خان » ، وفي الخامس والعشرين في « حس جلبي » والمسافة بين هاتين المنزلتين أربعة وستون ميلا . وباليوم السادس والعشرين من آذار المذكور قاربنا أن نقطع أربعة وأربعين ميلا ، وتوقفنا في « حسين بدّري » والأرض الّتي بين هذه والأخيرة وتوقات بسبب موضعها العالي ، باردة غاية البرودة وإذ كنّا متجهين نحو الجنوب كانت البرودة تخف بالتدريج .
وبلدة « حسين بدّري » يسكنها أهل السنة أي المصدّقين بإمامة أبي بكر وعمر وعثمان « 1 » ( رضي اللّه عنهم ) وأجدادهم هاجروا إليها من « داغستان » للنجاة من قسوة « نادر شاه » ولكنّهم من أروس حمقى وهم متوحشون وجدّ طامعين بحيث لا يعدون للمسافر طعاما إلّا بعد أن يدفع إليهم ثمنه مرّتين ، مضافا إلى أنّهم عندما يعدّ الغداء يحضرون إلى المائدة فيأكلون منها من غير أن يكونوا مدعوين ، ويمدون أيديهم إلى الصحون من غير ذكر اسم اللّه ، ونساؤهم يعرضن على المسافرين فواكه وأشياء أخرى ممّا يباع ، ويوسعن شتما من يأبى أن يشتري منهنّ . ودار البريد في البلدة قد أحاط بها الشحاذون وقد اعتادوا اللغط والإزعاج والشطط ، وهم متهمون بالسرقة في الطرق الكبيرة ، وإذ خفت أن يسلبني هؤلاء الشجعاء أو أضيع في وسط الثلوج لم أسر في هذه البلاد إلّا مراحل قصيرة . ورتبت أمري على طريقة تجعل نزولي الآتي بالساعة الرابعة الزوالية ، ومع أنّي بهذه الوسيلة أنجحت
هامش
( 1 ) في الأصل الفرنسي على التلفظ التركي عصمان . ( المترجم ) .