فرجعت إذن إلى القارب ، ولكن النوتي صوّر لي حال الرّبان ريشارد بصورة رهيبة حتّى لقد صممت أن أطيل انتظاري في ليفورن حتّى تحين فرصة أخرى للسفر ، وأعدت ثقلي ومتاعي إلى مثواي في ليفورن ، وسكنت فيه عودا على بدء . ولما عاد الرّبان إلى سفينته أرسل إلى نوتي القارب يستعمله ما صار إليه أمري ، فلما علم أنّي رجعت إلى ليفورن ركب زورقا وجاء إليّ ، فلقي في طريقه صديقي « داربي » فصحبه إلى مثواي واستحثني على الإرسال بثقلي إلى سفينته « السعيدة » أوروز ، فوافقت على ذلك . وفي اليوم الحادي والعشرين من شهر ربيع الآخر ( سنة 1217 ه ) الموافق بالتقريب اليوم العشرين من آب ( سنة 1802 م ) غادرنا ليفورن بالفجر .
إبحار أبي طالب إلى مالطة
وقد عرضت على الرّبان « ريشارد » كتب التوصية الّتي زوّدنيها وزراء جلالة ملك إنكلترا إلى القناصلة والسفراء الإنكليز في مختلف دول أوروبا ، فلما رآها لم يشك في تعلّقي بالدولة البريطانية ، وعاملني معاملة الأخ لأخيه ، فكانت هذه السفرة من ألطف السفرات الّتي سافرتها ، وبعد أيّام قليلة جاوزنا جزيرة « كورسة » وبعيد ذلك جزيرة « سردينيا » ولها حاكم مستقلّ ، ومررنا بإزاء صقلية أكبر جزء البحر المتوسط وهي في طاعة ملك نابل ، وخصبها يجعلها الهري « 1 » الوافر الغلة لجزيرة مالطة ، ولم نر في سفرتنا هذه شيئا يستحق الذكر . وفي اليوم الأوّل من أيلول « 2 » ( سنة 1802 م ) رست السفينة في ميناء مالطة .
وهذه الجزيرة المشهورة في التاريخ العربي ولد فيها عدّة فلاسفة قدامي ، ولما طرد النصارى من أورشليم « القدس » أعطى البابا وملوك أوروبا جزيرة مالطة مذهبا دينيا عسكريا يدعى رئيسه « السيّد الأعظم » . وهؤلاء المتدينون بالنصرانية أكثرهم أغنياء جدا ومن سلالة الأشراف فاستعملوا
هامش
( 1 ) الهري بضم الهاء ، وتسكين الهاء : البيت الكبير الّذي يجمع فيه القمح ونحوه وجمعه أهراء وهو كالسايلو في عصرنا . ( المترجم ) .
( 2 ) يوافق أوّل جمعة من جمادى الآخرة سنة 1217 ه . ( المترجم ) .