تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة أبي طالب خان إلى العراق واوروبا — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
فاحشا فوجب عليّ العدول عن خطتي في إرادتي أن أرى أشهر مدن أوروبا ، وإن كانت معي كتب توصية بي كان المستر ولسون زوّدنيها وهي معنونة إلى أعيان فلورنسا وروما ونابل وأكابرها . إنّ مدينة ليفورن المشهورة جدا بمينائها وفيه يجتمع تجار جميع الدول الّتي تسكن سواحل البحر الأبيض « 1 » المتوسط هي في غاية الصغر ، فإذا قعد الإنسان في وسطها استطاع بسهولة أن يرى أبوابها الأربعة ، ولكنّها محوطة بتحصينات ، ومعظم المساكن فيها لها أربع طبقات أو خمس وسكناها مضجرة بسبب حر المدينة الّذي لا يطاق والبعوض والبق والحشرات الأخرى الّتي يطول ذكرها . والماء العذب نادر جدا في ليفورن ، والمنابع الشعبية « 2 » فيها قليلة ، ثمّ إنّ ماء هذه المنابع يجري بطيئا يستغرق ملء إناء واحد نصف ساعة ، وقد رأيت غالبا ناسا ينحنون ويمتصون الحنفية لإسراع نزول الماء ، وفي أثناء ذلك نرى جمعا من النّاس ينتظرون نوبتهم ، ولذلك حدث غير مرّة خصام وشجار بينهم لكما بجمع الكف . وإذ كان مستحيلا الحصول على الماء العذب في الدور كنت أذهب غالبا إلى المنبع ولكني قلما كنت أروي عطشي وأنقع غلتي . والحرارة في المثاوي هناك شديدة دائما ، وقد اعتدت أن أخرج بعيد الظهيرة فاقعد في ظل جدار أو أتنزه في مقهاة لتزجية الوقت ، وبالمساء كنت أقعد تحت رتاج كنيسة كبيرة مقامة على رحبة من رحاب المدينة من أجل أن أستنشق بعض البرودة - أنزل اللّه لعنته على مدينة ليفورن وعلى أهلها الّذين هم على غناهم المشهور المذكور جدا أشحّاء يبتزون من الأجنبي ، إن استطاعوا ، كل ماله حتّى آخر فلس - . وكنت ذا مساء قاعدا ، على عادتي هناك ، على درج الكنيسة فاقترب منّي من ورائي مازح سفيه فانتزع من رأسي عمامتي ، وكان طرف من هذا النسيج الموصلي متدليا اتفاقا ، فأمسكت به ونهضت بسرعة وحاولت أن أقبض على السفيه إلّا أنّه مزّق العمامة وهرب بقطعة منها ، وحكيت هذا
هامش
( 1 ) ليس في الأصل كلمة « الأبيض » وقد نزيدها أحيانا زيادة منّا للإيضاح . ( المترجم ) . ( 2 ) أراد أنابيب الحياض الّتي يستقي الشعب الماء منها للشرب والاستعمال . ( م ) .