وشكل المدينة هلالي وتحيط بها تحصينات جيدة ، من جهة البرّ كما من جهة البحر ، وتستطيع أن تقاوم أقوى الهجمات ، ومنازلها مزخرفة زخرفة فاخرة في الداخل ، ولم تعجبني ولا راقتني الزينة الّتي زيّنت بها مثاوي الدور ، وأنا أعترف مع ذلك أنّ جنوة في مجموعها أجمل مدينة عرفتها .
وللجنويّين مواهب جزيلة في الموسيقى ، وعندهم من آلاتها جملة لم أرها في بلاد أخرى ، وكنت ذات ليلة نائما فسمعت بغتة أعذب الألحان ، فلم أتمالك أن قفزت من السرير وعلوت إلى الباب المؤدّي إلى الشارع ، فوجدته مقفلا وقد أخذ مفتاحه فعدت إلى غرفتي ، وفي أثناء طربي كدت من الشوق أتسرّح من الشبّاك إلى الشارع ، ولكن النوبة الموسيقية انتهت لحسن الحظ . وكنت أسمع كثيرا في لندن أنّ الإيطاليّين موسيقيون بارعون ، وتختلف موسيقى الهنود وموسيقى الفرس في الحقيقة عن موسيقاهم اختلاف صوت طاحونة عن صوت منسجم لآلة موسيقية محكمة .
إنّ قانون جنوة الخاصّ بالمومسات عديم المثال جدا ، فهؤلاء النّساء لا يظهرن في الشوارع أبدا ، لا ليلا ولا نهارا ولكن خدما لهنّ عليهم ملابس فاخرة ، يصطفون في مفترق الطرقات يدعون الرّجال إليهن لمسافحتهن في مساكنهنّ .
تعدد الزوج في جنوة
وفي هذه البلاد عادة رأيتها أغرب ممّا ذكرت ، هي أنّ المرأة الظريفة ينبغي لها زوجان تقسم بينهما وقتها وحبّها « 1 » ، فأحدهما يقوم بالاتفاق عليها ، ويأتي بما تحتاج إليه الدار من أزواد وعتاد ، وله حق التميّز بأن ينام معها ، وأن يدعى أبا لجميع أطفالها ، والآخر يظل معها نهارا ، ويصحبها الزوج الأوّل عند الخروج من الدار ويطيع أمرها إطاعة عمياء ويخضع لأهوائها . فإذا جاء الزوج الثاني ، بالاتفاق « 2 » وطرق الباب وكان الزوج
هامش
( 1 ) لا نحسب ذلك جائزا في قوانينهم إذ ذاك وإنّما هو نوع من المخادنة تغلب عليه صفة الزواج ظاهرا . ( المترجم ) .
( 2 ) أي كما يسمّى اليوم « الصدفة » لا كما يدلّ عليه ظاهر اللفظ لأنّ المراد اتفاق الفعل مع القدر .
( المترجم ) .