أبو طالب في جنوة
وما كادت السفينة ترسو بنا حتّى جاء إليها طبيب في قارب ليفحص عن حالنا ، فالطاعون يعبث ويفني في هذه البلاد غالبا ، فلذلك هم يمنعون كل أحد من الأبرار بغير إجازة من الطبيب الّذي يجب أن يتحقق صحة المبرّ قبل نزوله ، فإذا أحس بأنّ أحد ركاب السفينة مات في أثناء السفرة البحرية أو بان في السفينة مرضى ألزم السفينة أن ترسو أربعين يوما في موضع خاص . ومن يرد أن ينزل من الركاب أو نوتية السفينة فإنّهم يربثون « 1 » مدّة الأيّام المذكورة في نوع من المارستانات اسمه « لازاريت » وإن يحاول أحد منهم الهرب يرمه الحراس برصاص البنادق كما يرمى الكلب المسعور .
والطبيب الّذي زارنا للفحص كان نحيفا أصفر الوجه كأنّه أبلّ من مرض أصابه مع أنّنا كلنا كنّا ضخاما وسمانا ، وبعد أن لاحظنا ولاحظ نفسه استحيا من الموازنة بيننا وبينه ، فأجاز لنا النزول من غير أن يفحص عن شهاداتنا ووثائقنا المحررة .
وقد صحبت المستر « سكولبريد » والمستر « جالي » رفيقي في السفر ، في الذهاب إلى فندن « ليون روج « 2 » » ثمّ ذهبنا نقضي ما يجب علينا للقنصل الأمريكي المستر « ويلسون » وقدمت إليه كتاب توصية من المسيو ساماديت ، فاستقبلني أحسن استقبال ودعانا إلى التغدّي في داره فتغدينا ثلاثتنا ، بالثلاثة الأيّام الّتي قضيناها في هذا الموضع .
وجنوة مدينة فخمة قائمة في بلاد فاتنة المناظر ، تحادّ الخليج وهو مستدير ، ولو لم أشاهد خليج كورك ورأيت هذا لعددته أجمل خلجان أوروبا ، والمباني العامّة والقسم الأعظم من المنازل المبنية بالحجارة المهندمة شامخة جدا بالعمد المربّعة ، والأروقة المجنّحة وغير ذلك ، وقليل من الشوارع عريضة وجدّ منظمة ، ولكن الشوارع الأخرى ضيقة لا تنفذ فيها أشعة الشّمس البتّة ، غير أنّ المدينة مقامة على منحدر فلا يرى الناظر فيها طينا ولا قاذورات .
هامش
( 1 ) نقل الجواب من الأفراد إلى الجمع هو من أساليب القرآن الكريم لأنّ « من » الشرطية مبهمة في قدمها فكانت للمفرد وغيره ويربثون أي يحبسون ويمنعون من الخروج . ( المترجم ) .
( 2 ) أي الأسد الأحمر . ( المترجم ) .