سيّما إيطاليا وتركيا وبلاد البربر ومصر ، وهذه المدينة مشهورة أيضا بمنسوجاتها الحرير والأطلسي « الستن » وقماش الذهب ، وبسعة تجارتها ، والعمارات العامّة فيها مبنية بالحجارة ، وللدور الخاصّة أروقة مجنحة جميلة ، في الأغلب ، وشوارعها حسنة التنظيم والتبليط وجدّ عريضة ، ومكنوفة بأطورة ورصف كشوارع لندن ، وأعجبتني البرك والشاذروانات الّتي تزين المواضع العامّة والشوارع الرئيسة في المدينة ، وبالقرب من كل بركة حوض يستقي الشعب منه ماء للاستعمال ، ولرش الطرق ، وهي عادة جدّ صحية وضرورية في مناخ حار كهذا المناخ ، وكثير من الطرق في النواحي المحيطة بالمدينة مغروس فيها دوح ، كمخارف باريس ، والحدائق المحيطة بالمدينة تثمر بكل نوع من الثمار النفيسة ، وبطيخها المسكيّ نفيس وفائق على البطيخ الّذي يجلبه الإنكليز من بيوت استنباتهم « 1 » .
وكنت قد تزودت من باريس كتابا بالتوصية إلى المسيو « ساماديت » أحد أكابر تجار مرسيليا ، فذهبت إليه أزوره في غد يوم وصولي ، فاستقبلني أحب استقبال واستأجر لي مثوى جميلا في أحد الفنادق ، وكان قريبا من داره . وإذ كنت متعودا التصبّح بالصبوح الإنكليزي ، ولا يوجد في جنوب فرنسا زبد جيد ولا قشطة « قيمر » أحبّ المسيو ساماديت أن أطعم ذلك في داره كل يوم ، ثمّ إنّي كنت أتغدّى على مائدته إن لم تصل إليّ دعوة من داع . وهذا التاجر ولد في سويسرا وربيّ في فرنسا ، وهو مع ما اعتاده من حرفة التجارة سخيّ جدا ، ويغشى مجلسه كثير من أعيان مرسيليا ، ومن العادة عندهم الذهاب لمشاهدة حكايات « القوموذيا « 2 » » أو الذهاب إلى الأوبرا ، وكان المسيو « ساماديت » يدفع عنّي أجرة مطّلعي « 3 » ويمنعني من دفعها ، وفي أثناء إقامتي بمرسيليا اهتمّ بلا توان بأن بحث لي عن سفينة صالحة تبحر إلى القسطنطينية إبحارا قاصدا ، فلما لم يجد رجا منّي أن
هامش
( 1 ) هي بيوت يزرعون فيها البطيخ وأمثاله مكيفة المناخ بالحرارة اللازمة لنمائها وحياتها .
( المترجم ) .
( 2 ) جاء في مختصر الدول لابن العبري ص 34 « ومايندروس استنبط نوعا من الشعر يسمّى قوموذيا وفيه يذكر الرذائل والأهاجي والقبائح المشتركة بين النّاس والبهائم » يعني الكوميدي .
( 3 ) اسم مكان من اطلع على الشيء .