على تأدية ذلك بالتعريض ، وهم لا يملّون من دلالتك على طريقك ، ولا من إيضاح أمر لك ولا يتعبون ، ويعدّون هذه المجاملة علامة التهذيب الحسن .
إنّك تستطيع أن تزور فرنسيّا في أيّ وقت تشاء ، وتحكي له مرّتين متواليتين حكاية واحدة بعينها فيصغي إليك ، من غير أن يظهر لك أي أمارة للسآمة ، فما أكثر فواق الفرنسيين في هذا الأمر على الإنكليز العابسين المكتثبين ! وحينما كنت أتغدّى في فرنسا بأيّ فندق كان يستحوذ عليّ العجب غالبا من السرعة الّتي تظهر في تسامح الأكلاء في رداءة الألوان ، وأردأ أنواع النبيذ الّتي تقدّم لهم ، فإذا شكوت فإنّ الخدم ينصبون أعظم النصب لإقناعي بأن يجب أن لا يلام قيّم الفندق على ذلك ( كذا ) .
ويظهر السرور على وجوه الفرنسيين دائما ، فإذا تغذّوا خرجوا يتنزهون حتّى منتصف اللّيل في الحدائق ، وفي المواضع العامّة الأخرى ، ولهم أن يدخلوا في أكثر هذه المواضع الّتي يجتزئ أصحابها بربح يسير يستربحونه من مقاهيهم أو ثلجهم أو غير ذلك ، أمّا الأوبرا ودور المشاهدة الأخرى فأجرة الدخول فيها أقل منها في لندن بأربع مرّات ، وقد لاحظت في الفرنسيين أحيانا بلادة خاصّة ، أذكر منها مثالين أو ثلاثة ، ففي لندن إذا أردت التصبّح « 1 » في مقهاة فالخادم يأتيك بما تحتاج إليه بمرّة واحدة ، ولكن الفرنسيين في باريس يقدمون إليك القهوة أوّلا فالسكّر فالزّبد ، وقبل أن يتهيأ التصبّح ينبغي أن يدور الخادم زهاء ست دورات حول منضدة المتصبّح .
والمثال الثاني أنّ الحلاق الّذي كان يحلق لي بباريس كان يأتي معه اعتيادا بمركن « 2 » واسع من الصفر ومنديل من الكتّان يشبه مناديل الأكياس الّتي تأكل فيها الخيل « 3 » في بلاد الهند ويعلق هذا المنديل تحت ذقني فيصب ماء في المركن وبعد أن يجعله يزبد مع الصابون ، يلطخ به وجهي وعنقي وصدري ، ويبل عضدي حتّى المرفقين ، ولا يبدأ بالحلق إلّا بعد هذه الحفلة ، وقد استولت عليّ السآمة من هذه الطريقة الّتي كان فيها ما ذكرت
هامش
( 1 ) التصبّح هو أكل طعام الصبح وقد تقدّم . والمصبّح هو الّذي يعده .
( 2 ) المركن بوزن المنبر ما يعرف عند العامّة ببغداد باللكن وهو من النحاس في عصرنا .
( المترجم ) .
( 3 ) أراد المخالي جمع المخلاة . ( م ) .