توطد التعارف بيننا رجوت منه أن يذكر لي بصدق من يكون ؟ فقال لي بصوت خفيض : « اسمي الحقيقي سيّد محمّد وقد ولدت في بلاد العجم ، ولكني استوطنت القسطنطينية مدة طويلة ، وقد طوّفت في جزء كبير من الأرض ، وأنا أستطيع الكلام بإحدى عشرة لغة ، ولكني لا أكترث أن يعلم أحد أني مسلم « 1 » » . فلما كنت في القسطنطينية بعد ذلك فحصت عن حال هذا الرجل ، فعلمت أنّه لص من تلك المدينة ، له أقرباء من اليونانيين الّذين هم طبقة أدنأ الأدنياء .
وقد سررت في باريس بالتعرف إلى عدّة أدباء ومنهم من يتقن اللغات الشرقية وأذكر خاصة المسيو ماتيو لانكليه « 2 » و « دي ساسي « 3 » » وكان هذان العالمان يزوراني كل يوم ، وكلاهما يتكلّم بالفارسية على قدر الضرورة والحاجة ، ولكونهما قد درسا اللغة العربية فقد ترجما من قصائدي ذوات الأدوار إلى اللغة الفرنسية شعرا بسهولة كثيرة ، وألفيتهما متحليين بإدراك واسع ، وذهن وقاد لم أر له مثيلا عند أحد من الإنكليز الّذين عرفتهم .
ولعلّ اللغة الفرنسية أقرب إلى اللغة الفارسية من اللغة الإنكليزية ، ومن الجائز أن يكون شعرنا أكثر مواءمة لقرائح الفرنسيين منه لقرائح شعوب مناخها أبرد من مناخ فرنسا « 4 » ، وقد وعدني هذان السيدان أن ينشرا أشعاري في مجلاتهما ، وما أعلم أوفيا بوعدهما أم لا ؟
وفي نحو من خمسة عشر يوما من مغادرتي باريس استزارني المستر « تاليرند » وبلغني بوساطة المسيو « جوبرت » ترجمان الحكومة الفرنسية للغات
هامش
( 1 ) هكذا ورد في أصل الترجمة الفرنسية ، ولعلّ الأصل الفارسي بالضد ، بدلالة أنّه غير اسمه ودينه خداعا للنّاس . ( المترجم ) .
( 2 ) هو لويس ماتيو لانكليه مستشرق فرنسي ولد سنة 1767 م وتوفي سنة 1824 م . ( المترجم ) .
( 3 ) هو أنطوان إسحاق بارون سلفيستردي ساسي مستشرق فرنسي ومن رجال الدولة . ولد بباريس سنة 1758 م وتوفي بها سنة 1838 م وهو المؤسس الحقيقي للدراسات العربية في فرنسا وكتابه « النحو العربي » بقي عمدة كتب هذا الفن دهرا في فرنسا ، وكتابه الثاني « مختارات من أدب العرب » من أحسن الكتب في موضوعه وأوسعها . ( المترجم ) .
( 4 ) لعلّ القارئ يستغرب تصفيّد أبي طالب أسباب التسويغ لإهمال الإنكليز شؤون غيرهم من الأمم استكبارا . ( المترجم ) .