ومن هذه الأشكال ما يمثل إنسانا ميّتا ومكفّنا يقترب بالتدريج فإذا كان قريبا من المشاهد خلع عن نفسه كفنه وظهر منه هيكل عظام ذو منظر رهيب يجعل النّساء والصبايا والصبيان يصرخنّ ويصرخون بهلع وفزع ، وحينئذ ينكص شيئا فشيئا ، ويظهر للعين كأنّه يضمحلّ في السقف ، وإذ ذاك يسمع بغتة صوت يشبه صوت الصاعقة ، ويجدّد الرعب في نفوس النّساء ، وبهذا العلم يستطاع إظهار الشبه الكامل ، على المحكاة « 1 » ، لبطل قديم أو صديق غائب ، لأنّ هذا الفنّ من اختراع السّحرة لاختداع الشعب ، وجعله يعتقد أنّ لهم قوّة فوق الطبيعية .
وفي باريس ثلاث عشرة ردهة للحكاية والتمثيل وقد رأيتها كلها بالتقريب ، وفي العموم يظهر لي أنّها تفوق ردهات لندن لهذه الفنون ، وبخاصة إجراء الغناء والرقص . وفيها عدّة ميادين للتدرب على الفروسية ، والمراقص فيها لا تحصى كثرة .
دار كتب باريس
ودار كتب شارع ريشيليو « 2 » فيها قرابة مليون كتاب بمختلف اللغات وفي جميع الموضوعات ، وهذه أكمل مؤسسة في العالمين وأكثرها فائدة ، والنّاس الّذين يدخلونها بحرية يستطيعون أن يتزودوا معارف كل يوم مجانا ، ولهم القدرة على استخلاص ما يريدون من العلوم ، وأجيز لهم انتساخ كتب منها بأجمعها .
أخلاق الفرنسيين
الفرنسيون ، في الأغلب ، ولا سيّما الباريسيين منهم على غاية من أدب النّفس ، فهم لا يستعملون البتة كلمة « نعم » ولا كلمة « لا » بل يستعينون
هامش
( 1 ) المحكاة : موضع الحكاية أي التمثيل والتشبيه .
( 2 ) هي دار الكتب الوطنية ومنهم من يترجمها بالأهلية ولا تزال قائمة في الشارع نفسه ، ومطبوعاتها كثيرة جدا وفيها من الكتب الخطية العربية زهاء عشرة آلاف كتاب وهي موكولة إلى موظفين من اليهود في جميع فروعها ولذلك يضعون عراقيل دون تصوير الكتب الخطية العربية . ( المترجم ) .