تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رحلة أبي طالب خان إلى العراق واوروبا — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
وقد ادّعوا أنّ الإنسان إذا نام متجردا . في التقريب ، كان ذلك أدعى إلى راحته . فاحتججت أنا قائلا لا بل أن يفجأني حادث أستطع في الحال أن أعدو لو كنت في سفينة إلى سطحها أو أقفز إلى قارب ، على حين أنّهم يكونون في مثل تلك اللحظة مهتمين بارتداء ملابسهم ، أضيف إلى ذلك أنّ هذا سبري « 1 » الّذي هو أقرب إلى الأدب . فقالوا : إنّ الحوادث الفاجئة نادرة ، فإن وقعت فهم لا يترددون في أن يخرجوا إلى قنطرة السفينة ما عليهم إلّا قمصانهم ، فهذا ضرب من عنادهم الغريب . وقد عيب عليّ بلندن تفرّد عادات من عادات المسلمين ، مثال ذلك أنّهم استهزؤوا بالاحتفال الّذي يأتيه الحجاج عند وصولهم إلى مكّة ، فقلت لهم : ما السبب في أنّ الطفل في أوروبا تعتمد سلامته بالضرورة على التعميد الّذي يقوم به القسّ ؟ . ونعّوا عليّ إنّنا نأكل بأيدينا المجرّدة ، فقلت لهم : إنّا نفعل ذلك لكيلا نجرح أنفسنا أو من يجلس إلى جانبنا وقد جاء في الأمثال القديمة « كلّما قرب الإنسان من العظم ازداد قربا من اللحم الجيّد » ثمّ إنّ هذه الأيدي أنظف من رجلي شاب خبّاز ، فمن المتعالم المتعارف أن نصف ما يأكله اللندنيون من الخبز يعجن بالأرجل ، وهذه الطريقة في الدفاع عن نفسي ألجأت خصومي إلى السكوت وجعلتهم في الغالب ضحكة الضاحكين « 2 » . وليس بين الأمم ، إن صح قولي ، أمّة لا يزنّها الإنكليز بالمعاب سوى الأمّة الفرنسية ، وهو الّذي نعيته عليهم فقد رأينا في أثناء الحرب الضروس كل الضراسة عددا لا حد له من الإنكليز يقلدون سبر الفرنسيين وترّهاتهم حتّى رذائلهم ، وكان ذلك بأحمق الطرائق وأغربها . وليس بين الإنكليز إلّا ناس قليلون صارحون يسلّمون وجود جميع هذه العيوب وتفاقمها فأكثرهم بالعكس يشبهون المدّخنين ببزر القنب في تركيا ، فإذا ذكرهم مذكر بفضائل أجدادهم الّذين أصبح أبناؤهم هؤلاء سبة عليهم اغتاظوا واعتصموا بهذه الحقيقة المبتذلة « ليس بين الأمم أمّة خليّة من
هامش
( 1 ) السبر بكسر السين : الهيأة ، يقال : فلان حسن الخبر والسبر إذا كان جميلا حسن الهيأة ( مختار الصحاح ) وقد استعملنا السبر للمودّة . ( 2 ) سيذكر أبا طالب للإنكليزيات عيب استخدام الخدم الصباح الوجوه ، مع أنّ ذلك الاستخدام يحدث الفساد في الأسر ، ولم يعلم أبو طالب أنّ ذلك من مآرب الإنكليزيات . ( المترجم ) .