محكمّون ، وكل من هذه الجماعات القضائية مؤلفة من اثني عشر ساكنا محترما من سكان المدينة الّتي هم فيها ، وهم يدعون إلى حضور مجلس القضاء من غير علم سابق لهم بالأمر المتنازع فيه ، فإذا حضروا مجلس القضاء من غير انتفاع ولا اغتراض سابق حلفوا بأنّهم سيقضون على حسب ما تأمرهم به ضمائرهم ، ومن الواجب عليهم أن يهتموا أكبر اهتمام بجميع أمور الدعوى ولا سيّما امتحان شهود الاتهام وشهود الدفاع ، فيقررون تجريم المتهم أو براءته فإن أصفقت آراؤهم على حكم أصدر القاضي حكمه في القضية ، وإن اختلفوا ، انتقلوا إلى ردهة أخرى ولبثوا فيها حتّى يصدروا عن قرار . وهذه المؤسسة القضائية هي كما قيل « باللا يوم الحرية » أي حرز أمان الحرية الّذي يفتخر به الإنكليز ، ولكنّها لا تظهر لي خليّة من النواقص .
فالقاضي وهو رجل من الأماثل يحدث في نفوس المحلّفين . في الغالب ، احتراما لنفسه بحيث إذا كان مائلا إلى إصدار حكم جائر فإنّه يستطيع بتأويل خادع للقانون أن يوجه آراءهم كما يشاء . وقد رأيت القاضي كثيرا ما يدقق النظر في أقضية المحلّفين ويعيدها مرّتين أو ثلاثا إليهم لتعديلها . ويستطيع من جهة أخرى أن يرعبهم بتهديده إيّاهم وذلك بحجزهم بلا طعام ، على حين أنّ الوكلاء ينصرفون إلى دورهم ، ويظهر لي على حسب ما ذكرت أنّ الحكم تابع في كل الأحوال للقاضي أكثر من تباعته للمحلّفين .
وللقضاء الإنكليز إعفاء جدا ، لا شك في ذلك ، وإذ كان غناهم يجعلهم مستقلين كان أغلب الظن أنّهم لا يتجرون بضمائرهم ، ولكن القوانين الإنكليزية غامضة ، ولذلك يجتهد الوكلاء في فرص كثيرة جدّ متناقضة ( ودخلهم يأتيهم بخصيصي من الأجور الّتي يتسلمونها من أصحاب الدعاوي ) أن يغيّروا في دعاواهم الأقضية ، ويحصلوا من القاضي على تأخير لا نهاية له للأحكام ، وعلى هذا لا يكون مستغربا أن تدوم دعاوى في القضاء خمس عشرة سنة أو عشرين ، فتفنى أموال المتحاكمين معا ، وفي أحوال أخرى يجيز القضاة للوكلاء أن يفتنوا الشهود أو يخوفوهم حتّى ليكونوا متعذرا على كل شخص منهم غير خبير بالخصومات أن يصرّح بقول على حسب ما في ضميره . وفي هذه المجالس القضائية كثيرا ما يضحى بالعدل باسم القانون ، وبالرجل المستقيم للمحتال البارع في الاحتيال ، وهاهنا موضع تصريحي بحرية برأبي
رحلة أبي طالب خان إلى العراق واوروبا — صفحة 146
مساهمون: حاجي محمد بيك خان
ص١٤٦