وصولي إلى إنكلترا انتخب الألديرمان « كومب » لوردا شيخا للبلد وقد شرّفني بأن دعاني للغداء في قصره ، وما كدت أظهر حيال الباب إلّا تبادر إليّ خمسون من خدم سيادته مسلحون بحراب ودبابيس لاستقبالي وفي الحين بدأت جوقة موسيقية تعزف بألحانها وأنغامها ، وأدخلت باحتفال كبير في البهو الّذي كانت سيادته جالسة فيه مع عدّة من وزراء الملك ، فلما دخلت أخذ اللورد شيخ البلد بيدي وعرّفني لامرأته الّتي كانت لابسة كملابس ملكة ، وجالسة على صفة فاخرة ، ومع أنّ العادة لم تجر في أمثال هذه المناسبات بأنّ زوج اللورد شيخ البلد تقدم التحية ، فلكوني أجنبيا قامت سيادتها ، وفي الحال أعلن حلول وقت التغدي ، فأخذ اللورد شيخ البلد بيدي ثانية وأدّاني إلى مائدة تبعد قدمين على التقريب ، وهي أعلى من الموائد الأخرى ، وأقعدني بإزائه بتمام المؤازاة ، وقعدت سيادته في يمنة امرأته وإلى يمينه كان جالسا اللورد « كولوموندلي » واللورد « سبنسر » واللورد « نلسون « 1 » » وأشراف آخرون ، وإلى يسار السيّدة « مايليدي » كان جالسا شيخ البلد الأخير الّذي قبل كومب ، هو وأسرته ، وبقية المدعوني كانوا من القضاة والألديرمانين وغيرهم ، وكان على مائدتنا كثير من اللحم والفواكه والأنبذة اللذّة وغير ذلك ، وكانت كل الصحون والأواني من الفضة ، وأكثر الأقداح والأكواب والشمعدانات من الذهب المصقول ، ورأيت الموائد الأخرى حافلة أيضا على نحو مائدتنا من حيث الترف ، ويظهر من أمارات السرور البادية على وجوه المدعوين أنّهم لم يكونوا أقل رضا منّي للطريقة الّتي عاملوهم بها .
وبعد الغداء شرب المدعوون نخب صحة اللورد شيخ البلد وصحة زوجه ثمّ صحة الملك والملكة ثمّ أعلنوا سبب الشرب الآتي بقولهم :
« نشرب لسعادة اللورد نلسون ، وليكن ظفره في وقعة النيل غير منسي أبدا » . ولما قام الجمع وعدتهم عدّة آلاف ، وقد ملؤوا أقداحهم ، لإعلان
هامش
( 1 ) هو هوراس نتكونت نلسون أمير بحر إنكليزي مشهور « 1758 - 1805 » اشتهر بمقاومة الفرنسيين في أثناء الحرب الأمريكية ثمّ الإسبان وفقد إحدى عينيه في إحدى الحروب وذراعه الأيمن في حرب أخرى ودمر الأسطول الفرنسي في أبي قير سنة 1798 والأسطول الفرنسي مع الإسباني في الطرف الأغر سنة 1805 وفي تلك الوقعة الحربية قتل .