على توكيل جريّ « 1 » لا يفهم من لغته كلمة ولا يفهم عنه شيئا إلّا بترجمان ، وهذا الجريّ ، لعدم قبضه أجرة المجاراة مسانهة ولا مشاهرة ولا مياومة يعقّد القضية كما يريد وبعد برهة عدّة شهور أو عدّة سنين تفتح المخاصمة القضائية ، ويكون المدافع سعيدا إن أثبت أنّ المدعي وشهوده المزوّرين قد ارتكبوا تزويرا ، فيحصل على حكم يلزم الطرف الثاني في الدعوى دفع نفقات القضية ، غير أنّه ليس من النادر أن يستتر المدعي يوم المحاكمة إن علم نتيجة الحكم سابقا ، أو يبقى ، وقد خشي أن يسجن ، فيدّعي أنّه فقير ، ولهذا الهوان القضائي يجب على خصيمه في الدعوى أن يدفع إليه في كل أسبوع ما يعيش به وإلّا يطلق القاضي اللص ويتركه يعاود تزويراته الاختلاسية الابتزازية .
وأنا لم أعرض المسألة ، حتّى الآن ، إلّا بوجهها المناسب للصحّة ولنحسب أنّ المدافع كان عاجزا عن تقديم كفالة بمثل هذا المبلغ الجسيم فإنّه يعتقل « 2 » في قصر العدالة في أوّل يوم بحراسة ضباط الشرطة ، فإن كان هندوكيا منع من الطعام وإن كان مسلما منع من القيام بالفروض الدّينيّة « 3 » ، وفي اليوم الثاني ، مع استخزاء أهله ، ينقل إلى سجن يجمع بينه وبين المجرمين ، وباللّيل يدخل في حبس مظلم ، وألوف من الأشخاص المحترمين يقعون في هذا الشقاء قبل أن تستقصى أحوال القضية ، وإن عاش بائع التفاريق المزعوم حتّى يوم المحاكمة ، فإنّه يحضر إلى مجلس القضاء تحت الاستظهار تحفّ به الحراس ، وهناك قد يستعمل المدعي خدائعه السابقة بأعيانها . والسلوى الوحيدة الّتي ينالها ذلك المتهم المسكين المدعى عليه هي أن يسمع من يقول في مجلس القضاء « إنّ هذا قد قاسى ما قاسى ممّا يغيظ الإنسان ويسخطه » .
وإنّ المكاره الّتي يكابدها الشهود في شهادتهم ويقاسونها عندما يؤمرون رسميا بموافاة كلكتّا جد كبيرة بحيث لا تجد اليوم في الهند شخصا
هامش
( 1 ) جاء في مختار الصحاح « والجري : الوكيل والرسول » وقد جرى جريا واستجرى أيضا أي وكل وكيلا وأرسل رسولا . وفي الحديث : قولوا بقولكم ولا يستجرينكم الشيطان » أي لا ينطقكم عن لسانه بزور القول .
( 2 ) في أصل الرحلة الفرنسي « فإنّه يسرح ويطلق » وهذا من سوء الترجمة . ( م ) .
( 3 ) قال مصطفى جواد : هذا تاريخ مخازي القضاء الإنكليزي فيتأمّله المتأمّل ويعتبره المعتبر .